أضيف في 8 ماي 2022 الساعة 16:06

في ظل غياب الإلتقائية؛ ضاع سِرْوال علي!


أصوات نيوز //

ذ. شنفار عبدالله

من منا لا يتذكر قصة: (سروال علي) في سلسلة إقرأ للمرحوم أحمد بوكماخ للتعليم الابتدائي؟ ماذا نقصد بمفهوم بالالتقائية؟ (la convergence) هل مفهوم الالتقائية؛ شيء جديد يستحق كل هذا الجدل!؟ كيف نتجاوز ذهنية كلها يلغي بلغاه في برمجة المشاريع ورصد الاعتمادات لتلبية الطلبات الاجتماعية من طرف مختلف المتدخلين على المستويات الجهوية والإقليمية والمحلية؟
     وجاء في مضمونها؛ يحكى أن طفلًا اسمه علي اشترى له والده سروالًا فضفاضًا، ولما لبسه وجد بأن السروال طويل المقاس؛ فطلب علي من أمه أن تقصه له بمقدار شبر واحد؛ أي ما يوازي 20 سنتمترًا، وخياطته؛ لكنها اعتذرت كونها مشغولة.
      ثم ذهب عند أخته مريم؛ فطلب منها أن تنقصه له بمقدار شبر وخياطته؛ فتذرعت له هي الأخرى أنها تراجع دروسها.
     فتوجه إلى جدته وطلب منها قص السروال بمقدار الشبر وخياطته، فاعتذرت هي الأخرى بحجة أنها مشغولة بأعمال أخرى..!!
     لكن لما جاء الليل، تذكرت الأم طلب ابنها، فقامت في لحظتها بقص السروال بمقدار شبر ثم خاطته، وبعدها تذكرت الأخت كذلك طلب أخيها، فقامت هِي الأخرى من فراشها وفعلت نفس الشيء، و عند الفجر جاء دور الجدة؛ وبعد أن أدت صلاة الفجر؛ قامت بتلبية طلب حفيدها.
    هذا؛ وعند الصباح لبس علي السروال للذهاب إلى المدرسة، فاكتشف أنه أصبح عبارة عن شورت فوق ركبته.
      هذه القصة لها بُعْد ومغزى عميق؛ حيث تتعلم منها التنشئة؛ أنه في غياب عملية الإلتقائية والتنسيق والتواصل بين أعضاء الفريق، يفتح المجال للعشوائية والارتجال؛ ويفشل المرء في تحقيق الأهداف المرسومة.
     يلعب التنسيق دورًا أساسيًا في الجهاز الإداري للدولة، الذي يقوم به؛ إذ يتوقف عليه مدى فعالية المرافق العامة، بحيث هو عملية تكثيف للجهود سواء داخل المرفق الواحد أو على مستوى جميع المرافق في الدولة.
     فالنسق يفرض نوعًا من التكامل والانسجام بين مجموع الفاعلين وأطراف اللعبة.
     فحينما نتحدث عن نسق إداري، فإنه يفرض التكامل والتعاون بين عدة نشاطات مختلفة تعمل في تنسيق محكم فيما بينها.
     فهل يمكن الحديث عن نسق إداري في المغرب يهدف خدمة اتجاه واحد وهو الصالح العام؟ من هي هذه العقليات المتصارعة في الفعل الإداري المغربي؟
     كيف وصلت إلى الإدارة والسلطة؟
     كيف تمارسها على الأشخاص، وفي وعلى وبالمؤسسات؟
     وهل تتمتع باستقلالية في فعلها الإداري وفي رسم السياسات والبرامج وخطط العمل والخيارات، أم تبقى حبيسة ثقل التاريخ؟
     ما هي طبيعة الصراع بين مختلف العقليات، وبمختلف المرافق؟ وما هي حدوده؟ وما هي خصائصه؟
     كيف يؤدي الصراع إلى فرملة متطلبات التنمية في البلد؟
     إن التنسيق يمكن النظر إليه من خلال عدة زوايا يمكن حصرها قيما يلي:
- على المستوى الأفقي؛ أي العلاقة على مستوى العقليات في نفس النشاط أو المرفق، بحيث مجموع الأنشطة الإدارية لها قطب واحد يضمن لها الانسجام والتكامل.
- على المستوى العمودي؛ التكامل والانسجام يعني العلاقة المتواجدة بين مختلف مكونات الجهاز الإداري في وعلى نفس مستوى التسلسل الإداري.
- على مستوى العدد؛ نجد العديد من المرافق في شكل وزارات مثلا، العدل، الداخلية، الفلاحة، السياحة، البيئة... يتدخلون للإشراف والتأطير.
- على مستوى الاختصاص؛ كل في إطار اختصاصه، إلا أن هناك تداخل الاختصاص الذي يفرض التنسيق والتعاون والتشاور فيما بينها.
- على مستوى الاستقلالية؛ فهي ليست أشخاصًا معنوية متمتعة بالاستقلالية، ولكن عملها يهدف خدمة المجتمع ككل.
     ماذا بين الاختلاف والاستعلاء البشري؟
      "الدراسات العلمية في حقل العلوم الإنسانية أو الانثروبولوجية؛ تحاول دائمًا فحص أوجه التشابه والاختلاف وأسبابها وظاهرة التغيير والتحولات في المجتمعات وعند الأمم والشعوب؛ بغرض معرفة مسلسل ومسارات المستقبل.
     والمسافة كبيرة بين فكرة الدراسات من طرف من تسكنه روح الاستعلاء البشري؛ بغرض الظهور والبحث عن الذات وتغذية نقصها؛ وبين الدراسة التي تأخذ مسافة بين الذات والموضوع؛ من أجل فهم أسباب الاختلاف وأوجه التشابه لتنمية المعارف وتطوير الإنسانية.
     رحلة الانتقال بالإنسان من مجرد الوجود الإنساني؛ إلى مرحلة التحقق الإنساني؛ تحتاج إلى عمليات جراحية كبرى في الثقافات المختلفة. وتبدأ من الفهم العميق لتطور الثقافة الإنسانية عبر مليونين ونصف سنة من التاريخ؛ كما تشير الحفريات والمختبرات.
     فكل التاريخ المكتوب أصبح أمام محكمة التاريخ الباقي في طيات الشرائح الأرضية التي جعلت الأرض كتابًا للسائرين والمتفكرين.
     رحلة الإنسان عموديًا في أعماق الأرض أصبحت؛ رحلة تعلم أهم من انزلاقه على قشرتها.
     وكلما زاد الترحال أفقيًا وعموديًا في عمق الأرض وفي سمائها؛ كلما زاد علم الإنسان بجهله من جانب؛ وزادت قدرته على تسخير الكون من جانب آخر؛ وتفاوتت قوة المجتمعات بحسب علمها". {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا. وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ.}
     هذا؛ وفي غياب التنسيق؛ يطفو الصراع بين مختلف العقليات على السطح؛ مما يؤدي إلى فرملة التنمية؛ وكأنها مطاردة اللعنة؛ (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا.) صدق الله رب العالمين.



شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا