أضيف في 18 يناير 2022 الساعة 18:35

التقييم القائم على عنصر الزَّرْبَه لعمل الحكومات والمجالس المنتخبة بعد مرور مِّائَةٌ يوم


أصوات نيوز //

ذ.  شنفار عبدالله

ورد العدد 100 في القرآن الكريم بآية واحدة في سورة الانفال؛ مقترنًا بالصبر؛ {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.}
     حتى موقف نبي الله سيدنا يعقوب عليه السلام مع أبنائه الإحدى عشر؛ وهو يعلم علم اليقين أنهم كذبوا عليه في قضية موت أخيهم يوسف؛ كان هو الصبر. {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ.} فالصبر وبساط الرحمة تبقى ممدودة؛ رغم الأخطاء التي ارتكبها الأبناء.
     ومع زيادة جرعة العواطف التي تحيط بالأفكار غير الخاضعة للعقل، تتعزز سلطة العاطفة على حساب العقل ويصبح أي حوار مع الأفكار؛ مِدعاة للعبث ولثورة العواطف الجياشة.
     فبعض النجاحات التكتيكية؛ غالبًا ما يتبعها فشلًا استراتيجيًا ذريعًا؛ وذلك في غياب أجندات وخارطة نوايا ورؤية واضحة ومحددة المعالم مسبقًا. فغالبًا ما نُحسن كثيرًا فن الدفاع التكتيكي واللَّف والدوران؛ ومختلف أساليب الحشد والتحريض وتأليب الرأي العام؛ بل -ركوب الدناءة أحيانًا من أجل الإساءة للآخرين- لكن لا نُتقِن فعل الهجوم الاستراتيجي وأخذ زمام المبادرة الحضارية والقوة الاقتراحية.
     لتحليل هذا الموضوع؛ سوف أنطلق من طرح بعض الأسئلة المنهجية؛ التي تعتبر مفاتيح لولوج فضاءات الدراسة والتحليل؛ والتي يمكن اختصارها في التالي:
     هل توجد أدوات وآليات تقييم جادة ودقيقة ورزينه؛ لمجالس أغلب أفرادها تستهويهم المظاهر ومصاريف الأبهة وخلق الهالة الشخصية والحفلات والسهرات والمهرجانات الخطابية والشفوية وتطبعهم العشوائية والارتجالية والعبث في العمل؟
     هل هذه النخبة مؤهلة تاريخيًا وسياسيًا واقتصاديا وثقافيًا؛ لتدبير الشأن العام الوطني والجهوي والإقليمي والمحلي؟
     هل استطاع البرلمان المغربي تدبير ظاهرة الاختلاف؟
    كيف تكتسب المكانة والدور في المجتمع؛ هل بالكفاءة والمهارة والقدرة؛ أم بالإرث السياسي والاجتماعي؟
     هل هذه المظاهر؛ هي مجرد ظواهر طارئة وعابرة؛ أم هي هيكلية وثابتة وملازمة للسلوك البشري؟
     هل هي ظواهر حاصلة في بعض المجتمعات دون غيرها؟
      هل ظواهر الزَّرْبَه والعجلة والخِفَّه من الشيطان وعابره للزمن؟
     هل تجاوزنا عقلية كلها يلغي بلغاه؛ أم هناك التقائية وانسجام في عمل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين؟
     هل تجاوزنا عقلية اختزال نجاحات الافراد والمؤسسات؛ في الشخص المنقد والمُخَلِّص؛ وتجسيد كل فشل في السياسات العامة والعمومية والقطاعية؛ إنما هو في الآخرين؟
     هل بروز ظاهرة الزَّرْبَه والعجلة والخِفَّه اليوم؛ ناتج عن تغير التقنية وعمليات وسائل التواصل والتسويق وسيادة ثقافة الوفرة المادية والمالية ووسائل الرفاه الاجتماعي؟
      وهل التربية النموذجية -أيًّا كان المعنى- يمكنها تغيير هذه التركيبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة في المجتمعات؟
     ومن أجل إزالة بعض الألغام من الحقل المعرفي والمفاهيمي؛ لابد من تحديد المقصود بمؤشرات تقييم إدارة الحكم الرشيد خلال ال 100 يوم؛ والتي تركز بالأساس على مدى قدرة الحكومات والمجالس المنتخبة؛ على بلورة وتنفيذ سياسات عامة وعمومية وقطاعية؛ ومدى مصداقية التزام هذه الحكومات والمجالس بتلك السياسات؛ كمعيار للفعالية الحكومية والمجالس المنتخبة، وذلك من خلال معايير مضبوطة تعتمد في عملية تقييم السياسات العامة والعمومية والقطاعية. والتي يمكن اختزالها في بعض المعايير والمؤشرات الأولية التالية؛ وهي:
* أولًا: نوعية الخدمات العامة المقدمة من قبل الحكومة والمجالس المنتخبة؛ لتلبية مختلف الطلبات الاجتماعية؛ وحل القضايا؛ ونوعية أجهزة الخدمة ودرجة استقلاليتها عن الضغوطات السياسية؛ وغيرها من الضمانات الفعلية.
* ثانيًا: إبداء الرأي والمساءلة الديمقراطية وحرية التعبير والتنظيم وتكوين الجمعيات، وحرية وسائل الإعلام والاستقرار السياسي وغياب مسببات العنف السياسي والاجتماعي، الرئيسية.
* ثالثًا: مؤشرات التناغم والتعايش والتضامن والتكامل والانسجام، والاستقرار السياسي وانعدام مسببات العنف؛ أي مختلف التصورات المتعلقة باحتمال زعزعة استقرار الحكومة عبر تأجيج وسائل الاحتجاجات والاضرابات العامة والقطاعية؛ أو من خلال وسائل غير دستورية وغير قانونية أو عنيفة؛ بما في ذلك الأعمال المتعلقة باللجوء إلى ملتمس الرقابة لحجب الثقة عن الحكومة؛ أو الإطاحة بالمكاتب المسيرة للمجالس المنتخبة.
* رابعًا: معيار الفعالية الحكومية؛ أي نوعية الخدمات العامة ووضع السياسات العامة ومدى مصداقية والتزام الحكومات بتلك السياسات ونوعية الإجراءات التنظيمية وقدرة الحكومة على تنفيذ قرارات وإجراءات تنظيمية سليمة تسمح بتشجيع الاستثمار والقطاع الخاص وتنميته، ومدى سيادة الأمن القانوني والحقوقي والقضائي؛ ومدى ثقة الناس فيه.
* خامسًا: مؤشرات مكافحة الفساد ومدى محاربة استغلال النفوذ والسلطة العامة لتحقيق مآرب خاصة ومكاسب شخصية؛ بما في ذلك إعمال الشطط في السلطة واستحواذ أصحاب المصالح الشخصية على الممتلكات العامة للدولة.
     في عمليات التقييم القائمة على عنصر الزَّرْبَه والعجلة والخِفَّه؛ يمكننا عمل مسح للتاريخ والجغرافيا؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والطبيعية والدينية؛ والجيو-بولتيك؛  لبلد ما في زمن ما؛ بحثًا عن إجابات نحدد بها طبيعتها وحجمها وآليات إدارتها وطرق وأساليب اشتغالها؛ من أجل الوصول إلى استنتاج مدى قدرة الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين؛ على الفعل ورِدّة الفعل في تدبير شؤون البلاد والعباد؛ والتحقق من مدى وجود الكتلة العاقلة المتزنة والكفاءة الفاعلة والقادرة على بلورة السياسات العامة والعمومية والقطاعية.
     فمن خلال التفكير المنهجي؛ تكتسب المكانة في المجتمع؛ عبر لعب الدور السياسي والاجتماعي؛ بالفعل وبالكفاءة والمهارة والقدرة على الأداء؛ وليس بالإرث السياسي والاجتماعي؛ "فليس الفَتَى الذي يقولُ كان أبي؛ بل إن الفتى من يقول ها أنا ذا."
     لكن في المجتمعات المتخلفة؛ يتم توزيع المكانة والدور على شكل ريع وهبات؛ دون مراعاة معايير الكفاءة في الأداء والقدرة على الفعل. فظاهرة الزَّرْبَه والعجلة والخِفَّه هاته؛ لن تختفي أبدًا؛ فهي لصيقة بمُنْحنى التوزيع الطبيعي للمجتمعات والشعوب والأمم.
     أحيانًا ننظر إلى طبيعة المشاكل والقضايا من خلال تجسيدها في الآخرين. فكل الشعوب والأمم لها تصور للعالم وطبيعة تفكير للآخرين، ويكون؛ إما جسرًا للعبور أو جسرًا للانشطار أو منطقة اشتباك.
     وعمليات بناء الجسور أو هدم الجسور؛ تشكلت عبر العصور من خلال نظرة تقليدية تخللتها الكثير من الحروب والمناورات المفتوحة، في الإدارات والمرافق العمومية من أجل إخضاع الآخرين لسلطتنا ومشروعنا وأجندتنا.
     وفي هذا الصدد يمكن استحضار مقتطف من الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى 18 لعيد العرش؛ الذي جاء فيه: "تدبير الشأن العام، ينبغي أن يظل بعيدًا عن المصالح الشخصية والحزبية، وعن الخطابات الشعبوية، وعن استعمال بعض المصطلحات الغريبة، التي تسيئ للعمل السياسي."
    
     "وفي نفس الوقت، فإننا لن نقبل بأي تراجع عن المكاسب الديمقراطية. ولن نسمح بأي عرقلة لعمل المؤسسات. فالدستور والقانون واضحان، والاختصاصات لا تحتاج إلى تأويل.
وعلى كل مسؤول أن يمارس صلاحياته دون انتظار الإذن من أحد. وعوض أن يبرر عجزه بترديد أسطوانة "يمنعونني من القيام بعملي"، فالأجدر به أن يقدم استقالته، التي لا يمنعه منها أحد.
فالمغرب يجب أن يبقى فوق الجميع، فوق الأحزاب، وفوق الانتخابات، وفوق المناصب الإدارية." انتهى كلام جلالة الملك.
     عصر الزَّرْبَه والعجلة والخِفَّه؛ لا تنفع معه الحلول العشوائية والارتجالية؛ وعبارات الوعظ والإرشاد؛ ولا حتى عبارات الانتقاد الشجب والتبخيس والانتقاص والتنديد والاستنكار؛ ولا حتى ظاهرة الاندهاش والانبهار المتكررة؛ بل يحتاج في حساباته وأدواته وآلياته؛ السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ وحتى العسكرية منها والاستراتيجية؛ لمتوالية حسابية وهندسية تخضع للعلم والفكر المعرفة وللعنصر المادي والمالي والبشري المرافق له؛ وليس لعنصر الزَّرْبَه والعجلة والخِفَّه. فحتى قانون المالية لم يدخل حيز التنفيذ؛ إلا في غضون شهر يناير من كل سنة؛ ناهيك عن معرفة العنصر البشري العامل إلى جانبك.



شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا