أضيف في 5 نونبر 2021 الساعة 21:06

حينما اختبرناهم في مجال الجغرافيا والتاريخ فوجدناهم صفرًا.. من يكذب!؟ هل التاريخ!؟ أم الجغرافيا!؟ أم أعداء وخونة الوطن!؟ مرافعة جديدة عن قضية الصحراء المغربية


أصوات نيوز // 

_الدكتور شنفار عبدالله_(*)
     «آليت على نفسي» ألاَّ أكتب سوى الحقائق التي أعرفها ومقتنع بها؛ من خلال تجربة العمر في اختبار الكثير من الأماكن والأشخاص؛ والجغرافيا والتاريخ والبحث والرصد الاجتماعي والسياسي والثقافي.
     لقد اختبرناهم في مجال الجغرافيا والتاريخ وعلم الاجتماع والفلسفة والسؤال والمنهج والرياضيات والاقتصاد والقانون؛ فوجدناهم صفرًا!
     لكن هذه المرة أن نختبرهم حتى في مجال الأخلاق والقيم ونجدهم خاوي الفكر صفرًا..! فهذا مؤشر خطير!
     حتى فعل الكذب والتزوير؛ -والعياذ بالله- يتطلب في صاحبه أن يكون ذكيًا..!
     لكن أن تكون كذابًا ومزورًا وغبياً؛ فهذا أيضًا مؤشر خطير!
     نعرف ان الوقائع والأحداث التاريخية والجغرافيا؛ كانت دائمًا ولاتزال؛ تتعرض في الماضي، والحاضر؛ وستتعرض في المستقبل؛ لمزيد من عمليات البتر والحجب والتمرير والحذف والزيادة والنقصان؛
     إمَّا من أجل رفع المعنويات؛ وإمَّا تحطيمها؛ أو التغني بالأمجاد؛ وصب جام غضب الكراهية والأحقاد على الغير؛ أو تصريف الأزمات وتجسيدها في عنصر أجنبي
     من هم هؤلاء الذين يرددون سرًا وعلانية شعار: الله؛ الوطن؛ وعاش الملك؛ بمخيمات تيندوف؟ من أين أتواْ؟ من هو ذلك الإنسان المقهور بالمخيمات الذي يمارس عليه القهر والتعذيب يوميًا؟ إلى أية قبيلة ينتمون؟ كم بقي منهم هناك؟
     لماذا يرفض قطاع الطرق من مرتزقة البوليساريو ومن يحميهم ويدعمهم؛ خوض الاستفتاء في الصحراء المغربية وإحصاء ساكنة تيندوف من (لْفقْرا)؟
     هناك حقائق لا يعرفها إلا النذر القليل من الناس حول قضية الصحراء المغربية.
      فعبر التاريخ الممتد على عهد السيبة حتى اندلاع الحرب سنة 1975؛ تعرض المثلث الذي يشمل مناطق: تيندوف والرشيدية وزاگورة وطاطا؛ خاصة فم الحصن وأقا وفم زگيد… وغيرها من مناطق الجنوب الشرقي؛ لهجمات وحرْكاتْ الغزاة وقطاع الطرق واللصوص؛ بحيث كلما استقووا؛ يهجمون على مناطق مجاورة ويخطفون النساء والأطفال وينهبون الممتلكات والسلع والبضائع ومختلف صور السطو و(تَمْخَّارْتْ) وتعني الشفرة وتشفارت؛ أي السرقة تحت التهديد بقوة السلاح؛ ومهاجمة القوافل التجارية (تجارة تبادل الملح والذهب والقماش وغيرها… من المواد والسلع والبضائع) المتوجهة نحو (تمبوكتو) و(شنقيط) وموريتانيا ومالي والصومال والنيجر والسودان والسينغال… وغيرها من منطقة الساحل والجنوب والقرن الإفريقي؛ عبر الجنوب والجنوب الشرقي للمملكة؛ ما يسمى (طريق الحرير) التي كان بعض اليهود يفرضون ضرائب ورسوم وإتاوات؛ مقابل المرور والزطاطة أو تزطات؛ واستعمال الطريق وتأمين رحلات وتنقل القوافل التجارية والأشخاص والسلع والبضائع (Escorte).
     وكانوا يتخذون من الرجال والنساء والأطفال؛ عبيدًا لرعي الغنم والإبل أو الاشتغال في الخيام والبيوت.
     نسبة 99,99 ٪؜ من هؤلاء؛ هم من يشكل مخيمات تيندوف الحالية ويسمون ب (لفقرا) أو الفقراء؛ المستضعفين الذين وقعت عليهم الحكرة عبر التاريخ؛ أو ما يسمى بالقبائل والأسر والعائلات (المكسورة) أو المهزومة والمغلوبة من طرف قطاع الطرق. والذين يصل عددهم بالكاد حوالي: 35 الف نسمة في المجموع.
     لهم ارتباطات عائلية وأسرية لحد الآن بالباقي المتواجدين بالمناطق المذكورة: (طاطا، فم زكيد، أقا، فم الحصن، الرشيدية، زاكورة، لمحاميد الغزلان، قلعة السراغنة، الرحامنة، وغيرها من المناطق).
     وبالتالي هم السكان الأصليين؛ المحتجزين بالقوة من طرف شرذمة تتاجر بمأساتهم. وهم من يرددون يوميًا في قرارة أنفسهم: الله؛ الوطن؛ الملك؛ سرًا وعلانية. وقد شاهدنا ذلك عبر مقاطع فيديو مسربة من مخيمات تيندوف.
     هنا نفهم لماذا يرفضون إحصاء هؤلاء السكان الذين يسمون ب: (لْفقْرا).
     للاشارة؛ فظاهرة الرق والعبودية؛ معروفة بالجنوب؛ فموريتانيا معروفة بحفظة العلوم الشرعية والدينية؛ ومع ذلك ظاهرة الرق لازالت حاضرة وسائدة بالمجتمع الموريتاني لحد الساعة وبشكل كبير.
     سلمنا بأن التاريخ تعرض للحجب والحذف والتصرف فيه بالزيادة والنقصان والتمرير؛ حسب تعاقب الأزمنة والأنظمة والأشخاص، ومستويات رفع المعنويات؛ زمان الانتكاسة؛ أو التبخيس والحط من الآخر زمان الرخاء والازدهار. وكل هذا يمر متخفيًا.
     لكن الجغرافيا حينما تتعرض للقطع وللحجب والحذف والتصرف فيها بالزيادة والنقصان على الخرائط والميدان؛ فإن عناصر: البشر والحجر والشجر؛ تبقى شاهدة على كل عمليات أجريت عليها بالنظر للامتداد الطبيعي للتربة والماء والغابة والجبال والوديان.
     وباستحضار مقولة اللورد "ساليسبوري"؛ وهو أحد كبار الإمبريالية من القرن الماضي؛ حينما قال: "قمنا بتوزيع قارة إفريقيا على الخريطة وفرقنا الولد عن أخيه وعن أمه وعشيرته التي تأويه؛ وقسمنا الجبال والوديان؛ لم يواجهنا سوى مشكل بسيط؛ هو أنه أبدًا لم تطأ أرجل الرجل الأبيض تلك الأرض."
     من خلال هذا الكلام؛ يمكن فهم الإطار العام لمدى مشروعية قضية الصحراء المغربية.
     من خلال النبش في الصحراء المغربية والإنسان والمجال والطبيعة والجغرافيا والتاريخ؛ لفهم مدى مشروعية وشرعية تواجد المغرب وفرض سيادته على أقاليمه الصحراوية الجنوبية المغربية، يجب استحضار التاريخ. فهل الصحراء كانت أرضًا خلاء؟ من كان يحمي القوافل التجارية المتوجهة من وإلى السودان ونيجيريا وشنكيط ومالي وبلاد الصومال والسودان وغيرها من بلاد القرن الإفريقي والساحل؛ من قطاع الطرق في بلاد السيبة؟ ما سر تواجد قبور بني هلال بجماعة تاروما جنوب مدينة المرسى بالساقية الحمراء التي يبلغ طولها حوالي 6 أمتار؛ والتي تشبه نفس المدافن بجماعة فم زكيد؟
     فعبر تاريخ المغرب، ظل السلطان المغربي هو المصدر الفعلي للقرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكل إنتاج حقوقي وقضائي وزمني وديني وثقافي، وهو المتصرف الأعلى في الدولة وواضع ومحدد للسياسة العامة والعمومية والقطاعية؛ من خلال التعليمات والقرارات والتوجهات والرسائل والظهار في المملكة الشريفة.
     مصطلح "خيمة" التي تعني المنزل المصنوع من الوبر، ويسكنه الأب والأم والأطفال غير المتزوجين، كما يمكن أن تشير كلمة "خيمة" إلى الجماعة النسبية وتشمل بالتالي جميع الأفراد المنتمين إلى مؤسس النسب أو الخيمة، سواء كان حيا أو ميتا، وقد تمتد حتى إلى خيام وبيوت الزبناء أو ما يسمى بـ "تانسيفرات" أي الجار والخدم والأتباع.
   نميز تاريخيًا، في التقسيم الترابي للمملكة قبل الحماية، بين مناطق الاستقرار الذي طبع بعض التجمعات التي يمكن أن نطلق عليها مراكز او مناطق أو جهات حضرية، والتي تشكل لحد الآن مظهرا عتيقا يضرب في القدم من حيث التكثيف الحضاري؛ حيث تواجد المخزن او الادارة كضابط لهذا النسق الاجتماعي والاقتصادي والثقافي (كمراكش، وفاس، وإليغ، سوس وغيرها…)
     وعدم الاستقرار الذي طبع بعض المناطق والتجمعات التي قامت على الترحال، كما هو الشأن بالنسبة للبادية المغربية التي تشمل حيزا كبيرا من الاقاليم الصحراوية وشبه الصحراوية. وعدم الاستقرار الذي يتنافى وحالة التمدن، تلك التي شكلت هدفا "لحركات" السلطان، وما أطلق عليه "ببلاد السيبة" والتي وإن لم تخضع لنظام المخزن، إلا أنها تعترف بالسلطة الروحية والدينية للسلطان ملك المغرب.
     فالخيمة بجنوب المغرب، وخصوصا المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية، تعتبر بمثابة الخلية الاجتماعية الصغرى، وتعتبر أيضا الإطار الاجتماعي الأول للحياة اليومية للإنسان المترحل، بحيث لا تعتبر مجرد وحدة اقتصادية واجتماعية متميزة، ولكن كذلك تعد وحدة قانونية معترفا بها على المستوى الإيديولوجي مع ضمان حقوق وواجبات الجميع نحو الوحدات الكلية، أي حقوق وواجبات كل عضو تجاه الآخرين حسب السن والجنس.
     إن دراسة نظام القرابة والعائلة والقبيلة في المجتمع المغربي؛ يخضع لعناصر عديدة في تحديد أبعاده ومحدداته، بحيث لكي نقوم بعزل الدائم والمستمر في الأحداث والتقاليد والعادات الكثيرة والمتعددة، لابد أن نتوفر على معرفة شاملة حول الأشكال التي كانت ولازالت تأخذها هذه العائلات والقبائل في نظامها القرابي وعلاقاتها الإثنولوجية، خاصة قواعد ومظاهر القرابة والزواج والعائلة، وتعدد الزوجات، والإرث، وأراضي الجموع والتحالف والتضامن العضوي إلى غير ذلك من البنيات التقليدية السائدة لرصد مدى تأثير القرارات والسياسات العامة والعمومية على هذه البنيات المنغلقة.
     إلا أن هذا الشكل من النظام القرابي العائلي والقبلي بدأ يعرف نوعا من التفكك بحكم الانفتاح، خاصة بعد وصول الكهرباء والتلفاز والصحون المقعرة وقرار المجلس فك العزلة عن العالم القروي من خلال شق الطرق، والقرارات المتعلقة بالأم والطفل والتعليم، والصحة وغيرها... مما حول هذه العائلات والقبائل إلى جماعات نسبية مستقرة، عوض العائلة النووية أو الممتدة، هذا التفكك شمل علاقات الذكورية الصارمة، حيث كان يستمر الأولاد بعد زواجهم في العيش مع آبائهم وأمهاتهم، إذ كانوا يتعايشون مكونين بيوت العصب الذكوري.
     في ظل هذه التحولات؛ وعلى الرغم من المحن التاريخية للاستعمار  الإسباني والحماية الفرنسية؛ يجب أن نستحضر الدعاء الصالح في المساجد والأضرحة والزوايا والربطات لأمير المؤمنين؛ بغض النظر عن الموقف السياسي الأيديولوجي للجماعات. مع رفض الخضوع لسلطة فرض الضريبة وما يواكب ذلك من تجاوز وعنف الساهرين على جمع الضرائب لردع محاولات التمرد على عناصر المخزن.
     فالمخزن مؤسسة سياسية وسلوك سياسي ونظام اجتماعي وقانوني ومنظم لحقل المجتمع المدني. فالمخزن قوة "حركات" السلطان وسلوك القواد الكبار.
     المخزن ليس مجرد وهم، ولكن حقيقة؛ بحيث تحليل الثقافة الشفوية للمواطن المغربي يحيل إلى أن الإدارة والمخزن لا يفترقان في شيء؛ أي مسميان لمعنى واحد. فالمخزن بنية كلاسيكية استبدلت بالإدارة كمفهوم حديث، أي مع تطور الدستورانية؛ أصبح يحتفظ بطابع رمزي في حلة جديدة هي: الإدارة.
     فالمخزن بالأمس يتعايش مع الحالي، مع فارق في الصورة حيث نجد غيابه في الخطاب الرسمي، ولا وجود له إلا في الثقافة الشفوية والمخيال الاجتماعي، بحيث لا هوية له تماما كالإدارة.
     المخزن يحكم، يقنن، يفرض الضريبة… إلى غير ذلك؛ فهو إجمالا الإدارة وليس بدولة موازية او تفوق الدولة في شيء. وبناء على هذه المعطيات؛ فإن محكمة العدل الدولية وهي تنظر الرأي الاستشاري في قضية الصحراء المغربية، ربطت بين الولاء للسلطان أمير المؤمنين، ووجود السلطة السياسية، أي وجود إدارة، حدود جغرافية، وسكان يبايعون ملك البلاد. ويدعون له بالدعاء الصالح وعقد الولاء والبيعة.
     وبالتالي الروابط الروحية والتاريخية لملك وشعب يسكن بالمناطق الجنوبية المغربية للبلاد كما هو الشأن للامتدادات الجغرافية للمملكة الشريفة.
     هذه الروابط بين ملك وشعب والتي لا تزال متجذرة الى حد الآن في نفوس المواطنات والمواطنين المغاربة بالأقاليم الجنوبية؛ هي الثوابت الأساسية والجوهرية في الاستمرارية والشرعية والمشروعية.
      فمن يكذب إذن!؟ هل التاريخ!؟ أم الجغرافيا!؟ أم أعداء هذا الوطن!؟
الجواب يكمن في إن: البشر والشجر والحجر يشهد بمغربية الصحراء!
     وبالتالي، ومن خلال هذا الجرد للمجال والإنسان والارتباط التاريخي؛ فمن أراد الرحيل أو المطالبة بالانفصال؛ ليس بالضرورة أن يحمل ولو حبة رمل في كعب رجليه من تراب المملكة المغربية الشريفة الممتدة من طنجة إلى لكويرة.
___________
(*) كاتب وراصد ومفكر مغربي




شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا