أضيف في 19 شتنبر 2021 الساعة 12:45

الإسلاميون بين الانعزالية وهشاشة التكوين والعجز المتعدد الأبعاد


أصوات نيوز // 

الدكتور شنفار عبدالله

     ماذا بعد أن أصبح الرصيد الشعبي غير كافٍ لإجراء جولة أخرى من الانتخابات!؟ ما هي طبيعة المواجهة بين حرس القديم وحرس المعبد وحرس الحديث وحرس الظل؟
     من هي هذه الجماعات الإسلامية التي تعيش في عزلة بسبب هشاشة تكوين عناصرها وعجزهم في تدبير شؤون البلاد والعباد؟ وما هي طبيعة عملها ومنهجها؟ وماهي أنواعها وخصوصياتها وحدودها؟
     هي جماعات دينية توجد في كل البلدان العربية بصفة عامة؛ ونجد في المغرب بصفة خاصة:
* الطرق الصوفية:
الطرق الصوفية بالبلدان المغاربية؛ هي أكثر الحركات الإسلامية انتشارًا وتأثيرًا في المريدين على الرغم من بعدها عن المجال السياسي.
     للزوايا الصوفية حضور قوي في تاريخ المجتمع المغربي؛ لدرجة أصبحت العقلية الثقافية للإنسان المغربي يطغى عليها البعد الصوفي التقليدي، وهو ما يفسر انتشار ظاهرة زيارات واحتفالات الأضرحة والزوايا والتبرك بها.
     تحرص الطرق الصوفية بطبيعتها على الابتعاد عن السياسة حيث تعتبرها مجالًا مدنساً وتستغرق وقتها في تزكية النفس والتقرب لأولياء الله الصالحين الأحياء منهم والأموات، كما تنشد السمو الروحي.
     ومن بين أبرز الطرق الصوفية بالمغرب؛ نجد الطريقة البوتشيشية والطريقة العيساوية والطريقة التيجانية، والطريقة العلاوية والطريقة القادرية الجيلانية والطريقة الجعفرية.
* السلفية التقليدية؛ تدعي العودة اتباع عمل السلف الصالح لما قبل حجة الوداع والفتنة الكبرى.
* السلفية التكفيرية؛ تقوم على تكفير أشخاص أو نظام أو كيان أو دولة بكاملها بحجة انحرافها عن تطبيق الشريعة الاسلامية.
* السلفية الجهادية؛ هي تيار إرهابي متعصب يركب الدناءة ومآسي بعض الأقليات المسلمة من أجل الاساءة للاسلام والمسلمين له موقف من الأنظمة السياسية والديمقراطيات الحديثة ويقوم بتكفير مجتمعات إسلامية بكاملها؛ ويرغب في تكوين إمارة تحكم العالم وتطبق الشريعة وفق مزاجهم الخاص.
* جماعة العدل والإحسان:
    تعد من أكبر الحركات الإسلامية وأنشطها ببلاد المغرب، أسسها الشيخ عبد السلام ياسين، الذي توفي العام 2012. وهي جماعة سياسية دعوية تجمع بين البعد الصوفي والسلفي.
    تعد حركة العدل والإحسان إحدى أهم القوى السياسية المعارضة للنظام السياسي بالمغرب بجانب القوى اليسارية الراديكالية، وقد كان لها حضور قوي في احتجاجات حركة 20 فبراير.
     الجماعة تتهم حزب العدالة والتنمية بخذلان الحراك الشعبي في المغرب وقبوله إرضاء المخزن على حد زعمها.
     تتبنى الحركة المنهج التربوي في الدعوة، كطريق وحيد لـ”بناء الأمة واسترجاع زمن الصحابة”، كما أنها ذات بعد صوفي، غير أنها تمارس النشاط السياسي في أفق ما تسميه (القوْمة)
     هاته الجماعة في الصراحة لم تلجأ يوماً إلى استعمال العنف أو اللجوء إليه ضد الدولة. والقومة في فكر الشيخ ياسين رحمه الله؛ هي عبارة عن وصفة أو خلطة؛ فيها شْويَّة من تمغربيت، واتخاذ المسجد كمقر للجماعة في غياب مقرات بسبب المنع والحظر من طرف السلطات، على غرار الأحزاب الوطنية ومختلف القوى التي تعمل داخل المجتمع بشكل علني وليس عبر العمل السري الخارج عن إطار الدولة وتنظيم الدستور والقانون. وشْويَّة من فكر إخوان مسلمي مصر (فكر سيد قطب). وشْويَّة من مدخلات وعمليات ومخرجات التنفيذ على طراز الفكر الخميني وثورة إيران، ونظام تحكم عبر قيادة الجماعة ونقباء الأقاليم وخلايا مختلف المناطق.
      تعتمد على اختيار عينات الاستهداف؛ وفي الغالب تكون هذه العينة من الجماعات التي تجمع بين الانعزالية وهشاشة في التكوين ونمط التفكير لديها المبني على التفكير بالتمني والتفكير بالمعجزات وتكريس تسطيح الثقافة واستراتيجيات الإلهاء بالسبحة والاعتكاف والتزام الجماعة والمسجد والتقية ومظهر اللباس الأفغاني والبرقع والحجاب والخمار وغيرها من الوسائل الرديئة في التسويق الايديولوجي.
* حركة التوحيد والإصلاح:
      حركة تعتمد حركة التوحيد والإصلاح منهج ما تسميه: التدرج والحكمة والشورى والانفتاح على المجتمع والسياسة. تشكل الدرع القاعدي لحزب العدالة والتنمية، وتشكل الخلفية التي تنوب عنه في حروبه الفكرية والإعلامية والاجتماعية مع خصومه من القوى المدنية والسياسية وحتى الإسلامية، تصف نفسها بالحركة التجديدية والإصلاحية، وبكونها تسعى إلى إقامة دين وسطي معتدل.
     تتميز الحركة بقدرتها التنظيمية وتأطيرها لآلاف الأتباع وفق رؤيتها الدينية عبر ترسانة من الجمعيات والتعاونيات.
* جماعة التبليغ والدعوة إلى الله:
     تدعو الى اتباع منهج سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وسيرة أصحابه.
     لدى هذه الجماعة أصول وأدبيات عمل تعارفوا عليها وتوافقوا على تطبيقها في مجال دعوتهم في الحضر والسفر ولم يكتبوها أو يوثقوها في كُتب ولكنهم تواصوا بها وتوارثوها؛ فإذا خرجوا للدعوة أمرّوا عليهم أحدهم فقط، وليس لديهم مناصب محددة ولا وظائف معينة.
     الكثير من هذه الجماعات ونجد منها:
•تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.
• القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
• حركة الشباب (تنظيم صومالي).
• جماعة الجهاد الإسلامي المصرية.
• الحزب الإسلامي التركستاني.
• حركة طالبان.
• إمارة القوقاز الإسلامية.
• مجموعة فتح الإسلام.
•الجماعة الإسلامية السلفية الجهادية.
•حركة مجتمع السلم الجزائرية.
•حركة النهضة في تونس.
     والمليشيات والمرتزقة؛ انبثقت عنها أحزاب معينة ووصلت بها إلى الحكم؛ من خلال منهج في البداية تبدو كالميت بين يدي غاسله، وتتمسكن حتى تتمكن؛ وتصبح تملك نفوذًا ماليًا وعسكريًا؛ يجعلها تتمتع باستقلالية تامة؛ فتتمرد على البلد الذي قدم لها الحماية والدعم اللوجستي والعسكري والمناصرة والمرافعة والتأييد الديبلوماسي والدولي؛ فكوَّنها وساهم في تأسيسها منذ البداية.
     وحتى نزيل بعض الألغام من مساحة الفكر؛ نبدأ بالجهاز المفاهيمي للموضوع؛ ففي تحليل العجز المتعدد الأبعاد في صفوف الجماعات الإسلامية؛ ننطلق من بعض الأسئلة المنهجية؛ ماذا نقصد بمصطلح العجز؟ وما هي الأشكال التي يتخذها العجز الذي تعاني منه تلك الجماعات؟ وهل هذه الجماعات مؤهلة تاريخيًا وأيديولوجيًا للعب هذه الأدوار في التنشيط التنموي وفي تدبير الشؤون العامة؟ وكيف يؤثر ذلك سلبًا على القرارات والقضايا ورسم السياسات العامة والعمومية والقطاعية للأمم والشعوب؟
     فعجَزَ عن الشَّيءِ: اذا ضعُف ولم يقدر عليه؛ حيث عجَز عن تحقيق هدفه. ونقول عجَزَ الشَّيخُ أي؛ هرِم، وأَسنَّ وبلغ من العُمر مداه"؛ وعَجزتِ المرأةُ إذا انعدمت القدرة لديها. ونقول أُعْطِي معاشَ عَجْز بالنسبة للعامل أو الموظف، اذا انعدمت لديه القدرة على العمل. ويقال العجز المالي؛ أي تراجع مقدرات بلد ما في الميزان والمبادلات والمعاملات التجارية في ناتجها الخام أو الصافي الداخلي.
     هذا؛ ومن خلال هذا التعريف؛ في ارتباطه بعدم قدرة الأشخاص على فعل وإنجاز الشيء؛ يمكن حصر عناصر العجز الذي تعاني منه بعض النخبة في مجال تدبير الشؤون العامة في العناصر والأبعاد التالية:
* عجز على مستوى المطابقة مع الواقع والمتطلبات الاجتماعية لشعوبها؛ وكذا مع تطلعات وتنزيل وتصريف توجهات وتعليمات قائد البلد. فالعديد من النخب لم تستوعب بعد، المهام المنوطة بها في تدبير الشأن العام وقضايا الأمة. فأفكارها في واد وآمال شعوبها في واد آخر..!
* عجز على مستوى المسايرة للتطورات والأحداث والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومختلف السياقات الحاصلة في المجتمع. وعجز حتى على مستوى مسايرة توجهات وتعليمات قائد البلد. بحيث إن الطموحات لا تسير بنفس المتوالية الحسابية والهندسية بين ما تفكر فيه النخبة؛ وبين ما تطمح إليه شعوبها..!
* عجز على مستوى الانسجام والتكامل والتمازج والتناغم مع مكونات المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي؛ على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، وغياب استيعاب هذه المتناقضات..!
* عجز على مستوى التدبير والتنشيط التنموي وانعدام القدرة على الخلق والابتكار؛ بحيث يلاحظ عدم الاهتمام بالمتطلبات والقضايا المطروحة، حيث يعتبرون كون المرحلة مجرد انتداب غير دائم وتنعدم فيه التعويضات والمعاشات والعديد من الامتيازات، مما يؤدي إلى نوع من الخمول والتقاعس في أداء المهام المنوطة بهم..!
* عجز وظيفي يتجلى في عدم القدرة على استيعاب استراتيجيات التنمية وامتداداتها.
* عجز علائقي ويتجلى في عدم القدرة على خلق شبكة علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية وحضارية؛ تساهم في التنمية المجالية؛ من خلال هذا الإطار العلائقي الما-بين الاشخاص..!
* عجز على مستوى المرافعة ومناصرة قضايا الأمة والبحث عن مصادر التمويل والتعريف بالطلبات والقضايا الاجتماعية للسكان وتحقيق عمليات التأييد للقرارات وللمشاريع المقترحة لتحقيق مختلف الطموحات..!
* عجز على مستوى التعايش مع مختلف الأفكار والآراء المطروحة؛ وعدم الإيمان بالفكر المغاير لدى الآخرين.
     وبالتالي نستنتج أن التكوين التقني لوحده غير كافٍ لتدبير الشؤون العامة للبلد؛ بل يستلزم حس سياسي واستراتيجي. فمفهوم العجز؛ يحيل إلى فهم متعدد المعاني حسب السياق العام الذي وظف فيه؛ لكن يبقى القاسم المشترك في المفهوم؛ هو عدم القدرة على تحقيق الآمال والطموحات المرجوة.
     نفس الشيء ينطبق على تركيبة بعض الأحزاب السياسية، حيث نجد العنصر الشاب أصبح يتطلع إلى السلطة لاعتبارات مادية أو رمزية، أي إعادة النظر في شرعية ومشروعية التقليد واعتماد المعطيات الواقعية لبناء نتائج نظرية ومعرفية، وبالتالي أصبحت فكرة المريد بين يدي شيخه أو "الباترياركا" محل تساؤل؛ وهذا ما نجده حاليا في الانفجارات التي تعرفها بعض الأحزاب السياسية، وذلك لوجود فعاليات شابة تطمح هي الأخرى للقيادة، والوضعية الحالية دليل على هذا التطلع، حيث وجود العديد من العناصر الشابة، في أفق خلق قطيعة مع إنتاج السلطوية السائدة.
     يعتبر ماكس فيبر [1864-1920] أحد منظري التنظيم الذين ركزوا على كيفية الوصول إلى مردودية كبرى في الإنتاج؛ بحيث انطلق من العناصر التالية المتحكمة في التنمية الإدارية؛ إد يرى على أنه في كل تنظيم، إما:
- سيادة سلطة كاريزمية،
- أو سيادة وضعية الأبوية،
- أو سيادة سلطة علائقية بيروقراطية.
     وهنا أيضا نسجل غياب سلطة كاريزمية تذوب الصراع وتعمل على ضبط النسق داخل الإدارة أو بين مختلف الإدارات.
     وهذا الوضع أفرز فئات تنضيدية:
* الفئة الأولى؛
     وعلى الرغم من سلبياتها فإنها تتغدى من مشارب فئوية، مغلوب على أمرها تستفيد من وساطات تلك، فتقف موقف العاجز أو المتصالح والمتكيف مع الفئات والنخبة الطفيلية وتقوم بتنميط سلوكها حسب متطلبات تلك.
* الفئة الثانية؛
     في وقت نجد فئة ثانية تنادي بالتغيير، وتركز على العنف أحيانًا، وتجهل مسببات الأمور أحيانًا أخرى، ولم تستوعب الممكن والغير الممكن والعملي والغير عملي؛ والمنطقي والغير منطقي؛ ومن خلال موقفها هذا بقيت تعيش نوعًا من العزلة بسبب هشاشة تكوينها وأنماط تفكيرها.
* الفئة الثالثة؛
     هذه الفئة تستفيد من بقاء الوضع على حاله وتتدخل بشتى الوسائل والطرق لمنع أي تغيير، الشيء الذي يحد من فعالية أية سياسة تحديث وإصلاح أو تغيير.
     هذا ويمكن تصنيف هذه العقليات المتصارعة وفق التقسيم التالي:
     حَرَسُ القديم من نوع مؤشر كاربون 14 (¹⁴C) في الإدارة والمؤسسات ومختلف المرافق العامة والعمومية؛ يزعمون أنهم وحدهم من يمتلك الحقيقة! والآخرون تتوفر لديهم النسخة الرديئة؛ فقط من الحقائق عن شؤون الدولة؛ وإذا ما حصل وتولوا الآخرين من حَرَسْ الجديد والحديث المسؤولية؛ سوف يقودون البلاد والعِباد إلى الهاوية والكارثة على حد زعمهم!! مما هو حتمًا: {أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا.}
     أمَّا حَرَسُ المعبد؛ فيدعون أنهم وحدهم من يستفرد بتملك النسخة الأصلية للدَّين! وأن خطتهم تطابق خطة الإله والكوْن؛ وأن الآخرين لديهم النسخة المزيفة؛ فقط عن الدِّين! وحتى إذا ما حدث ووصلت هذه النسخة الأصلية صدفة إلى بين أيدي هؤلاء؛ سوف يسيؤون استعمالها على حد اعتقادهم!!
     حَرَسُ القديم الذين يحاربون كل تحديث وعصرنة في الإدارة ومؤسسات الدولة؛ متشبعون؛ تارة بالفكر الماركسي الذي يقوم على ميكانيكا الحتمية التاريخية؛ وتارة أخرى بالفكر المادي الرأسمالي المتوحش.
     في حين حَرَسُ المعبد؛ الدين يحاربون بشكل متطرف كل أشكال العصرية في التَّيّنِ متشبعون بالوثوقية؛ وكأنهم كانوا يجلسون منها مقاعد للسمع؛ فاسترقوا السمع من الملأ الأعلى؛ وعرفوا وخطفوا كل ما يجري هناك في اللوح المحفوظ مما (كَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) في مسلسل ومسارات حياة الناس، والصيرورة التاريخية للشعوب.
     أما حَرَسُ الدولة العميقة؛ أو حَرَسُ حكومة الظل؛ أو حَرَسُ الدولة الموازية؛ أو حَرَسُ الحكومة السرية؛ فهو مفهوم يحيل إلى إحدى مباديء الآلية الديمقراطية في بلدان العالم؛ والتي تقوم على مبدأ التداول للسلطة بين الأفراد والجماعات. وهي احدى الآليات المتعارف عليها؛ حيث يتولى جهاز خاص استلام مقاليد الحكم من أجل الا تنهار موارد ومقدرات الدولة وأمنها ووجودها واستقرارها وكذا استمراريتها.
     يعمل حَرَسُ الظل كضابط للنسق؛ على بلورة السياسات العامة والعمومية؛ التي في جميع الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ تستهدف ثلاث قضايا وأبعاد رئيسية كبرى التي هي:
* قضية وجود؛ وتعني ضمان وجود الدولة والإنسان.
* قضية استمرار؛ أي ضمان استمرارية وغياب كل مسببات زعزعة الحكم والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
* قضية تنمية وبناء وتحضر؛ وتعني ضمان تطور وازدهار في جميع الميادين والمجالات.
     من أشكال الإزعاج الفكري في نمط التفكير لدى هذه الجماعات التي تنادي بالجهاد والانفصال عن الدولة الأم أو بإنشاء دولة خلافة مستقلة ومجتمع إسلامي أو كلياني أو شمولي شيوعي أو اشتراكي أو حتى رأسمالي؛ تصورها وطبيعة الدين والدولة لديها.
     فكلما سألت قيادات هاته الجماعات الانفصالية أو الجماعات الدينية؛ حول مآلات وطبيعة الدولة المدنية أو الدينية التي تطالب بها؛ يجيبك قادتها وزعامتها ومشايخها بالقول: نحن لازلنا نَسْتَعِدْ ونُعِدُّ لهم ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل! ويستدعي الآية الكريمة في قوله تعالى: "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ". مع ان استحضار الآية من طرفهم؛ يبقى في غير محله؛ لا من حيث الزمان الذي نزلت فيه الآية؛ ولا من المكان والظروف التي نزلت من أجلها.
     لكن من هم هؤلاء من أبناء جلدتهم والآخرين من دونهم؛ الذين يستعدون لهم ويعدون لهم العدة والقوة!؟
تتخذ طبيعة وتجليات هذا الخطاب المصحوب بالاستعداد لديهم؛ عدة تمظهرات، يمكن اختزالها في بعض الأبعاد التالية؛ ومنها:
• تبخيس عمل السلطات؛ من خلال نشر الفكر العدمي والتشكيكي في المؤسسات القائمة، وعدم الاعتراف لها بالشرعية والمشروعية.
• مختلف عمليات التشويش والازعاج ومحاولات خلق نوع من الارتباك لدى السلطات؛ عبر حرب العصابات وقطاع الطرق وخلق نوع من الفوضى لإعطاء الانطباع بغياب الأمن والاستقرار لدى الناس؛ والعمليات النوعية في محاولات زعزعة الأمن  والاستقرار؛ في شكل عمليات انتحارية وارهابية نوعية.
• حرب استنزاف للمقدرات المالية؛ في إطار الحرب الاقتصادية، أو ضرب مصالح البلد.
• تجييش وتحريض المنظمات الحقوقية الدولية ووسائل الإعلام والحرب السيبيرنية أو الاليكترونية.
• وغيرها من صور المناورات وما تعتقده استعداداً على حد زعمها.
أما إذا سألتهم حول استراتيجيتهم المستقبلية في تنظيم وتدبير الحكم؛ فيجيبون، وفق قناعات كل أيديولوجية؛ وهم سواسية في ذلك؛ فالمتشبع بالفكر الماركسي، الذي أصبغ على أيديولوجيته مفهوم النظرية العلمية، واعتبر ميكانيكا التاريخ شيء حتمي وبديهي الوقوع؛ حيث بمجرد اتحاد عمال العالم؛ ينهضون ويقضون على الطبقة البورجوازية وكذا الفئات الحاكمة.
     أما أصحاب بعض الفكر الإسلامي الموغل في التطرف؛ فيزعم ويرى أن خطته وفهمه لواقع المجتمع؛ تطابق خطة وفهم الإله؛ وأنه الوحيد الذي يتوفر على النسخة الأصلية للحقيقة الدينية والواقع؛ في حين، الآخرون لديهم مجرد نسخة مزيفة؛ وليس حتى فوطوكوبي! وكأنه اطلع على اللوح المحفوظ واسترق السمع وعرف كل ما يجري ويدور هناك في الملأ الأعلى وكل ما يتعلق بخطة واستراتيجية الإله! ويعتبر أن الآخرين حتى وإن وجدت لديهم هذه النسخة الأصلية سوف يسيؤون استعمالها في تدبير أمور الناس.
     كذلك الشأن عند بعض حاملي الفكر الرأسمالي أو الحد الأقصى القائم على المنافسة وطحن الآخر في إطار لعبة يحكمها سقف قواعد السوق، دون الأخذ بعين الاعتبار المشترك من الأخلاق والقيم.
     وهنا يمكن القول بظهور الأعراض المرضية على مفهوم الديمقراطية على الطراز الغربي، كعلة تحملها بداخلها؛ وتندر باقتراب نهاية عالم وتوجهات أيديولوجية؛ حيث أصبح استدعاء الديكتاتورية من طرفها أحيانًا لقهر شعوب وأمم أخرى؛ من أجل تحقيق الرفاه لمجتمعاتها على حساب الأولى؛ أمر واقع ويحصل كل يوم بين الشعوب والأمم والدول.
     لذلك نلاحظ أن معظم هذه التنظيمات تبقى مشروعًا مجتمعياً مرتبكًا وفاشلاً؛ بحيث لردح من الزمن وهي تناور؛ ولا تستطيع تحقيق أي هدف محدد؛ فتضحي بذلك في إطار حرب طاحنة؛ بالوقت، وبالرصيد الاحتياطي لمجموعة من خيرة الشباب المندفع والطموح المغرر بهم.
     وهنا نتساءل؛ ماذا حققت تنظيمات؛ مثل جبهة البوليساريو مثلًا لشباب وساكنة تندوف منذ العام 1975 حتى يومهم هذا؛ تاريخ "استعدادها" لما تسميه بالكفاح المسلح ضد المغرب؛ من خلال رفع شعار: (لا بديل لا بديل..) من غير بيع وتجارة الوهم!؟ ماذا حققه نظام طالبان وفكر بلادن في أدغال وجبال (طورا بورا) بأفغانستان!؟ ماذا حققه نمط تفكير نظام "داعش" في العراق وسوريا؛ من غير الدمار وعدم الاستقرار والتفكير المرهق للعقل البشري!؟ لكن إلى متى هذا الاستعداد!؟
     فها هي الدولة قائمة والمؤسسات موجودة؛ والأنظمة؛ والقوانين؛ مستقرة؛ والأمن والسلامة والطمأنينة والصحة والسكينة؛ سائدة؛ وكل شيء جاهز ويشتغل؛ فشَمِّرْ على ساعديك وادخل، وانخرط في المشروع المجتمعي القائم والموجود والآمن؛ عوض طول الانتظار هذا، وبدلًا من، وعن، وهم الاستعداد اللامتناهي، وبلا معنى؛ في الزمان والمكان!
     فلماذا استدعاء القوة الصلبة؛ عوض القوة الناعمة في الوصول إلى تحقيق الأهداف والاستراتيجيات المرسومة؛ مع أنك تدرك عدم القدرة على تحقيق ذلك؟
     ارتفاع منسوب رصيد الغضب الممزوج بالتفاؤل العاطفي؛ إذا لم يتفوق عليه رصيد العقل والحكمة والتبصر؛ قد يقود اتجاه القطار نحو الانحراف عن السكة والهاوية.
     ما هو الجانب الذي اتجهت إليه الأنظار؛ هل مشروع البناء والتأسيس لعلاقات قوية؛ ومتطلبات الديبلوماسية الحاسمة؛ أم اتجهت إلى مجرد جانب العواطف وتفريغها؟
     وأيضًا سؤال كيف نراكم وعياً وتصورات تتجه نحو البناء، وعملًا وفعلًا يتسمان بالديمومة؟ وما هي العوامل التي ستؤدي إلى توطيد وعي الغضب وإعاقة نمو وارتقاء العقل والتفكير الاستراتيجي؟ وما هي العوامل التي ستقود إلى توطين مختلف صور قصور الوعي والقصور في ضمان الاستمرارية؟
     هذه بعض الاسئلة الجوهرية؛ لتفادي بعض النجاحات التكتيكية التي يتبعها الفشل الذريع؛ في غياب رؤية واضحة وأجندة وخارطة نوايا دقيقة مرسومة ومخطط لها مسبقًا.
     من المعروف في العلاقات الدولية؛ أن النجاح التكتيكي؛ يقابله أحيانًا فشلًا إستراتيجيًا ذريعاً.
     من الأمور المربكة في العقل العربي المسلم؛ نجد ما يسمى: النجاح التكتيكي والفشل الاستراتيجي!
     فما هو المقصود بمفهومي الفشل الاستراتيجي والنجاح التكتيكي؟
     نجد أحيانًا؛ الكثير من النجاحات التكتيكية الضخمة؛ غالبًا ما تكون مقدمة لكارثة وفشل استراتيجي كبير ومهول؛ ونضرب مثالًا لذلك، قضية افغانستان في صراعها مع منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومن يدور في فلكها؛ نموذجًا! من خلال ما أحيطت به العملية من صور التهويل والآلة الإعلامية؛ وصنع الرأي العام… وغيرها؛ والتي لم يليها حوار أو طاولة مفاوضات؛ فبقيت حبرًا دون ورق في ظل الكثير من التحديات المطروحة أمام حركة طالبان.
       حتى أصبح يتبادر إلى الدهن سؤالًا: ماذا استفادت دولة أفغانستان من انفصالها عن الهند بأفكار المُلّى؛ سوى تعاقب أنظمة تسلطية؛ فكر بن لادن وحركة طالبان وداعش وأخواتها... وغيرها من المِللِ والنِّحلِ؟ حيث لم ينعم شعبها يومًا بالعيش الكريم ولا هم في سلام آمنين. فنحن أمة تنام على الدمار في أفغانستان!
     التفكير الاستراتيجي يقوم على نظام: توقعات جيدة من خلال مرونة في التفكير وتموقع جيد يقوم على التأطير المحكم؛ من أجل إنتاج خريطة نوايا استراتيجية؛ تتحول إلى خطة استراتيجية قابلة للتنفيذ في شكل تلبية قضايا ملفات مطلبية؛ عبر: مدخلات وعمليات ومخرجات وضابط تحكم.
تتولد عنه مجموعة من القرارات؛ قد تخلف ردود فعل: بين مؤيد ومعارض وغير مبال بها. ثم _تغذية-راجعة_
     هذه الآلية معدومة في الصراع. فأين يكمن الخلل إذن؟
     أرى أنه أمام هذه الجماعات من حَرَس المعبد؛ ثلاثة سيناريوهات في مواجهتها وتجاذباتها مع حَرَس القديم؛ وحَرَس التحديث:
1. إما قبول المجازفة!
2. أو نهج سياسة التحديث!
3. أو جعل القطيعة مع الماضي!




شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا