أضيف في 17 يونيو 2021 الساعة 16:13

سوسيولوجيا الحملات الانتخابية بالمغرب القائمة على الحَلْف والاستجداء لكسب أصوات الناخبين


أصوات نيوز //

الدكتور شنفار عبدالله

      نستحضر لتحليل هذا الموضوع؛ ما يسمى بالتفاعل القائم على الخداع والتضليل في نظرية الفعل التواصلي عند المفكر (هابر ماس) الذي ينطلق في نظريته الفعل التواصلي مما أسماه: "المصلحة العملية"؛ حيث تعتبر اللغة من أهم الوسائل للتواصل والتفاعل بين الناس؛ والتي تحدد طرق فهمنا لبعضنا البعض في إطار التنظيمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
     ويذهب (هابرماس)؛ إلى أن البنيات الاجتماعية والسياسية والثقافية؛  تنبني على التفاعل القائم على الخداع والتضليل بشكل منظم من أجل تحقيق المصالح الذاتية؛ من خلال الوعي الذاتي بما نفعل وانطلاقًا من قواعد التواصل المقبولة اجتماعميًا.
     إن تكريس التبعية والغباء الجماعي، من خلال طقوس تقديم ما يسمى في الدارجة المغربية ب: (أعْبانْ) أو (أشْطاظْ) في استراتيجية التواصل بين الناخب والمنتخب أثناء الحملات الانتخابية بالمغرب؛ يثير الاستغراب والاندهاش.
     فاستراتيجية التواصل لدى النخبة المغربية قبل الترشيح للانتخابات؛ وأثناء الحملات الانتخابية؛ تثير العديد من التساؤلات. فمن خلال دراسة سوسيولوجية لنفسية المنتخب؛ تبين أنها تصبح ضعيفة وحساسة جدًا؛ لدرجة يصبح يؤمن معها بالغيبيات والخوارق وتمني النفس بحصول المعجزات والوثوق في النجاح والفوز، ويصبح المرشح للانتخابات يعيش حالة ونوعًا من الهيستيريا والفوبيا. وهذه التساؤلات يمكن اختزالها في بعض الأبعاد كما يلي:
     كيف يتم تقديم المرشح؟ هل باتفاق (اجْماعة) أو أتباع الهيئة والحزب وأعيان القبيلة؛ أم خارج اتفاق هذه التنظيمات الحزبية والقبيلة؟ أو فقط كرد فعل ضد ترشح شخص معين؟ أو باقتراح من  السلطة أو بإيعاز منها؟ وما هي استراتيجية التواصل عند النخبة مع المواطن؟ ما هي مسارات هذه النخبة؟ وما هي استراتيجية التواصل لديها مع الفاعلين الآخرين؟ وكيف تعمل على تعبئة المتاح من الموارد لديها؟ وما هو دور ممثلي الدولة على المستوى المحلي والإقليمي والجهوي والوطني في إنتاجها؟ وكيف وصلت هذه النخبة في وقت سابق إلى تدبير الشأن المحلي والاقليمي والجهوي والوطني بشكل عام؟ وما هي وسائل وطرق وآليات إنتاجها؟ هل تحظى بشرعية تاريخية أو سياسية أو نضالية أو ثقافية؟ كيف يتم إقناع المصوتين؟ هل بالبرنامج الحزبي؟ أو ان الاقناع يتخذ أساليب أخرى؟ وما هي هذه الأساليب الأخرى؛ من حلْف أو أداء قسم على المصحف (القرآن) بالوفاء بالوعود الانتخابية والمبارزات الكلامية والمدح ومصاريف الأبهة والتغني بأمجاد الماضي؟ ومحاولات الاحتماء بالمخزن؟
     نجد من خلال الملاحظة؛ إن تمثلات الأعضاء تختلف حسب التوجهات السياسية والمشارب الثقافية لكل عضو، حيث من الصعب تحديد معطى يمكن تطبيقه كمقياس على كافة التمثلات. غير أنه يمكن تنميط سلوكيات المنتخبين من خلال بعض المحددات، بحيث انه بالإضافة إلى تمثلات المنتخب في علاقته بالمجلس، نجد تمثلات المنتخب في علاقته مع السكان من خلال حماية المجالات المحرمة، وكذالك تمثلات المنتخب في علاقته مع السلطة الإدارية المحلية والإقليمية؛ للدفاع وحماية مصالح السكان.
     من ضمن التوظيفات الرمزية التي تستعملها النخبة لفرض هيمنتها وبسط سيطرتها من خلال استراتيجية التواصل، يمكن إدراج بعض المفاهيم السائدة في المجتمعات التقليدية؛ حيث من خلال البحث في سياقات مصطلحات ومفاهيم سائدة في الثقافة الشفوية المغربية؛ مثل: (أشْظاظْ) أو (أعْبانْ) وتعني؛ فرش وبسط (الثوب الأبيض) أو ما يسمى ب: (رمي العار)، أو التعهد والعهد  بتشبك أصابع اليدين. وكلها أساليب وآليات يتم توظيفها حسب الحالات؛ إما في مجال الصلح أو التصالح أو في مجال الطلبات والملتمسات والوعد بالوفاء من أجل كسب التعاطف والتآزر والتماسك والتعاضد والتشيع والمناصرة والتأييد والاتفاق بين طالبه والمعروض عليهم أو المقدم له أو لهم الطلب.
     والشِّظاظُ هو العُود الذي يُدخل في عُرْوة الجوالِق، أو الرحى أو ما يشد به العُرْوة؛ والعروة الوثقى.
     وفي المجتمع التقليدي؛ نشر الثوب الأبيض أو ما يسمى ب: (الأعْبانْ) أو الشظاظ؛ يحيل إلى الاستسلام ورمي العار الذي يتولاه أحد الشرفاء أو كبار أو عِلْية القوم من الأعيان والوجهاء والمحترمين داخل المجمع؛ الذين لا يرد لهم طلب ويحظون بتقدير واحترام معين، أو من حفظة القرآن؛ وهو بمثابة ثقل معنوي لا يجب أن يرفضه الذي قدم له؛ أو يتحلل منه أو يتهرب منه؛ حيث يعمل على جمع كل أطرافه؛ إذا كان شخصًا مفردًا أو جمع بعض من أطرافه جزءًا جزءًا اذا تعلق الأمر بالجماعة المعروض عليها طلب الصلح مثلًا.
     وبذلك تكون الموافقة التي يصعب التحلل منها مستقبلًا مهما كانت الظروف. وبالتالي قضي الأمر ولا نقاش يلي ذلك بعد طي الثوب الأبيض الذي يجمع ويوضع على قبر أحد الأضرحة أو دفين الزاوية المتواجدة بمكان الصلح أو الملتمس؛ أو الضريح والزاوية التي توسط أتباعها أو شيخها في عملية الصلح أو تقديم ملتمس الصلح أو المساعدة والمؤازرة.
     هذا، وكل تحلل أو تهرب منه؛ يعتبر غدرًا آو خيانة أو تراجعًا عن التعهد والالتزام وفك للعروة الوثقى وعقابه يكون عند الله (شديدًا وعظيمًا) على حد زعمهم.
     وفي المتخيل الاجتماعي كل مصاب أو قدر وقضاء مستقبلي؛ فمرجعه إلى التحلل من العقد والتعهد الذي قطعه على نفسه؛ وقد يشمل أفراد العائلة وكأنه لعنة وخطيئة تطارد من تراجع فيها وتكون عاقبة عدم الوفاء بالعهد ما يصطلح عليه ب: ضربة (أموثل) أو خرج فيه (أبْرِيدْ) وانتقام القدر واعتباط الطبيعة؛ حسب التقاليد والعادات. فيبقى جسده مُداناً.
     نضرب مثلًا لبعض سلوك الحملات الانتخابية؛ ومن خلال المثال؛ يتضح المقال.
     لم يكن الحاج بوشعيب يتوقع؛ -هو الذي ألف الفوز في الاستحقاقات البرلمانية بكل سهولة منذ سنة 1976، بحيث بقي محافظًا على مقعده طيلة 25 سنة، ما شاء الله!- أنه سوف يفاجأ يومًا بردة فعل الساكنة بالتخلي عنه.
     الحاج بوشعيب الذي خبر جيدًا سلوك الناس؛ يعرف أين يجدهم مجتمعين؛ بالمسجد أثناء أداء صلاة المغرب؛ حيث في البوادي والأرياف والقرى المغربية؛ يظل الناس في حقولهم منشغلين في مزارعهم الفلاحية طول النهار.
     حضر الحاج بوشعيب رفقة أتباعه وحاشيته والمقربين منه إلى جامع المدشر؛ حيث أكبر تجمع سكاني لقبيلة أولاد شعيبة؛ وصادف دخولهم المسجد أداء صلاة المغرب؛ كفرصة سانحة ليرمي عليهم العار من أجل التصويت لصالحه في الاستحقاقات الجارية سنة 2002.
     بعد أن سلم إمام المسجد وقراءة الفاتحة؛ و(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.)؛ قام الحاج بوشعيب وأخرج ورقة صغيرة كتب عليها خطابه إستعدادا ليخطب في الناس.
     فلدغدغة المشاعر والأحاسيس؛ اختار وانتقى مصطلحاته بدقة فائقة تراعي المستوى الثقافي ونفسية الفئة الموجه إليها بالتركيز على الجوانب الحماسية واللعب على استحضار أمجاد قبيلة أولاد شعيبة؛ على طراز حماسة حروب داحس والغبراء بين قبيلتي بني عبس وبني ذبيان.
     لكن أحد الدهاة المرافقين للحاج بوشعيب؛ وقبل أن يشرع في إلقاء خطبته في الناس؛ همس في أذنه وقال له: "أولم تلاحظ السورة التي تلاها الإمام لما أمَّ الصلاة بالناس! لقد قرأ سورة الكافرون: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ .) صدق الله العظيم.
     وبالتالي الساكنة تريد أن تقول لك: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ .)
     سرَّها الحاج بوشعيب في نفسه ولم يبدها لهم فانسحب، ووراءه أتباعه من المساندين والمؤيدين له يجر معه الهزيمة والمهانة والإذلال؛ على الرغم من مصاريف الأبهة والأقدمية التي يتشبث بها.
     لقد أحسنت الدولة صنعًا لمًا أعادت النظر في ضوابط وقواعد تدبير الشأن الديني بالمغرب؛ منذ أحداث الدار البيضاء التي وقعت في 16 ماي 2003؛ بسد أبواب المسجد في وجه الجناح الدعوي للجماعات الدينية المتطرفة؛ التي تعتبر المسجد النواة الصلب والأساسية في انطلاق أيديولوجيتها الدعوية.
  صدق جلالة الملك محمد السادس؛ لما وصف مناسبة الانتخابات؛ وكأنها يوم القيامة.
    وبالتالي فاستراتيجية التواصل بين الناخب والمنتخب؛ هي فهم حديث؛ يتنافى وصور التقليد المبني على الخلف وتقديم أعْبانْ وأشْظاظْ ولمزاوْگة والحلف وأداء القسم على المصحف؛ لإقناع الناخب بالتصويت.
     فكيف السبيل إلى مفاتيح أبواب الغيث التي تتيح السفر في فضاءات ومساحات الحرية؛ لتجاوز الأزمة في استراتيجية التواصل لدى النخبة لترقى إلى مستويات الحملات المعمول بها في الدول المتقدمة؛ من خلال حشد جماعات الضغط؛ التي ينخرط فيها الجميع؛ من جمعيات ومؤسسات استثمارية وثقافية ولوبي المقاولات والشركات… وغيرها؛ التي تتولى المرافعة والمناصرة والتأييد للبرنامج الحزبي كمؤسسة؛ وليس للأشخاص؟
     مع الأسف؛ في ظل محدودية القدرات الفكرية في الخلق والإبداع؛ ومختلف صور العجز المتعدد الأبعاد؛ يتعذر السفر في فضاءات مفتوحة لصنع المعجزات!
     حتى نبي الله موسى قد استنجد بأخيه هارون في التواصل مع فرعون: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي، يَفْقَهُواْ قَوْلِي، وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً، وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً، إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً.) صدق الله رب العالمين.
     فإذا عجزت عن تبليغ فكرة ما لكسب العقول والقلوب؛ فابحث عمن ينوب عنك في ذلك؛ فليس الجميع قد حباه الله فضل فن الخطابة واستراتيجية التواصل مع الناس!




شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا