أضيف في 18 فبراير 2021 الساعة 20:30

بلد الغاز ونقص الكلوكوز


يصعب على من كان بالأمس يتهكم على سياسة الملك الراحل الحسن الثاني في بناء السدود ودعم القطاع الفلاحي، أن يستوعب ثقافة البيعة التي دأب عليها المغاربة تجاه سلاطين المغرب منذ مئات السنين.

البيعة عندنا أشبه بطقس احتفالي لا يوجد في أي مكان، لأنه متفرد ويندرج ضمن ثقافة مغربية لطالما تعايش بداخلها السلام والتعدد والتنوع والخصوصية التي لم ينل منها الإحتلال شيئا، بل زادها توهجا في عز المطالبة بخروج المستعمر الإسباني والفرنسي من الأراضي المغربية، وذروة التلاحم ما بين العرش والشعب، إلى حين حصول المغرب على الإستقلال.

لعب الترسيم الكولونيالي للحدود بين المغرب وجارته الجزائر دورا سيئا في خلق أزمة سياسية نتج عنها حرب الرمال، وبعدها ؛ وفي عز التكالب العسكري الذي أطاح بالملكيات في كل من مصر الملك فاروق وليبيا الملك السنوسي ؛ كان التآمر يمضي في اتجاه خلق كيان وهمي لتأبيد النزاع حول صحراء طالما بايع أهلها سلاطين المغرب.

قاوم المغرب مؤامرات خصوم وحدته الترابية لمدة تفوق الأربعين عاما دون أن يحرز الطرف الذي ظل يدعم جبهة بوليزاريو ويأوي رموزها فوق أراضيه أي انتصار فعلي سوى إضاعة أموال بتروله في قضية خاسرة لن ينال منها في نهاية المطاف سوى الخراب أو الحرب.

يصعب فهم عقلية النخبة العسكرية الحاكمة في الجزائر، لأنها ما فتئت تعض على العقيدة الإيديولوجية التي كانت سائدة ك"موضا" إبان مرحلة الحرب الباردة بالنواجد، رغم سقوط جدار برلين وقيام نظام عالمي جديد، ودخول العالم عصر عولمة تستلزم من الدول التكتل لا التفرقة،من أجل بناء اتحادي لطالما سعى الحسن الثاني جاهدا لتحقيقه دون جدوى.

تشكل قضية الصحراء حصان طروادة بالنسبة للعقل السياسي الجزائري بعد تراجع ليبيا في عهد القذافي عن دعم بوليزاريو، ووصول حسني مبارك إلى السلطة في مصر، الشيء الذي جعل الجارة الجزائر هي الطرف الفعلي في هذا النزاع المفتعل رغم تلكؤها بأنها ليست طرفا فيه.

اليوم كشفت لنا مستجدات الواقع؛ جراء الفتح الديبلوماسي المغربي المتوج بالإعتراف المغربي بمغربية الصحراء بإعلان رئاسي لا غبار عليه، وبفتح قنصليات عديدة قنصلياتها في مدن مغربية بالصحراء؛ أن هذه الجارة طرف أساسي في النزاع كشف عن وجهه بعدما سقط عنه القناع، وأنها هي الفاعل المركزي في تأبيد هذا المشكل، وإلا فإن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها كما قال الملك الراحل ذات خطاب موجه إلى الأمة.

وبما أن الإنتصارات المتتالية للديبلوماسية الملكية منذ عودة المغرب إلى حضنه الإفريقي، وإلى الإعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، قد كشفت عن فقدان الجزائر للتركيز، فإن الحملة الإعلامية المسمومة للنيل من معنويات المغاربة قد باءت بالفشل.

فقد تبين أن حكام قصر المرادية ليسوا سوى شيوخ بمؤهلات عسكرية يعيشون بحلم ماضوي لم ولن يتحقق أبدا، لأنه يعاكس القدر الجغرافي، ويعادي منطق التاريخ، ويعاكس كذلك آمال شعوب المنطقة في العيش بمشترك جامع يمكنهم من تحقيق الوحدة المغاربية في أفقها الحضاري والإقتصادي والسياسي.

لقد تبين كذلك أن الذاكرة السياسية للجار المشاكس قصيرة وفاقدة لبوصلة الإسترشاد بدروس التاريخ، والتبصر بفضيلة حسن الجوار بعد أن مدت لهم يد السلام وحسن الجوار من طرف أعلى سلطة في البلاد، ولكن لا حياة لمن تنادي.

إن تفكه المغاربة الأخير بعد تصريح أحد المتطاولين على الرمز الأعلى للبلاد، وتصريحه أنه لم يتناول الموز إلا بعد بلوغه سن الثلاثين، ليشي بشيء له دلالته في فهم سبب ضعف الذاكرة لدى النخبة الحاكمة بالجزائر، فقد نبالغ في التفكه نحن أيضا بالقول أن نقص مادة الكلوكوز في جسم هذا الحي من الجيران له ما يبرره، ما دام هؤلاء لا يأكلون الموز الذي يساعد على تنشيط الذاكرة.

وبعد مرور عقود من السياسة الفلاحية بالمغرب، تبين سداد الإختيار المغربي وفساد سياسة التصنيع الثقيل لدى الجارة المتنطعة، والتي لم تجد لهم النفع، الشيء الذي نتج عنه فساد الرأي لدى الطغمة الحاكمة هناك.

أخيرا وليس آخر قد لا نبغي التشفي في سياسة الجار الفاشلة بقدر ما نبغي حمد الله على سداد السياسة المتزنة والصامدة للدولة المغربية رغم مكائد العدو.

بقلم : محمد علي لعموري




شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا