أضيف في 8 يناير 2021 الساعة 17:25

تصور واستراتيجية الجماعات التي تنادي بالانفصال في فهمها لطبيعة الدين والدولة.


الدكتور شنفار عبدالله

من أشكال الإزعاج الفكري في نمط التفكير لدى بعض الجماعات التي تنادي بالانفصال عن الدولة الأم أو بإنشاء دولة خلافة مستقلة ومجتمع إسلامي أو كلياني أو شمولي شيوعي أو اشتراكي أو حتى رأسمالي؛ تصور وطبيعة الدين والدولة لدى هذه الجماعات.
فكلما سألت الجماعات الانفصالية أو الجماعات الدينية؛ حول مآلات وطبيعة الدولة المدنية أو الدينية التي تطالب بها؟ يجيبك قادتها وزعامتها ومشايخها بالقول: "نحن لازلنا نَسْتَعِدْ!" ونُعِدُّ لهم ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل؛ ويستدعي الآية الكريمة في قوله تعالى: "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ0"
مع ان استحضار الآية من طرفه؛ يبقى في غير محله.
لكن من هم هؤلاء من أبناء جلدته والآخرين من دونهم؛ الذين يستعد لهم ويعد لهم القوة؟
تتخذ طبيعة وتجليات هذا الاستعداد لديهم؛ عدة تمظهرات، يمكن اختزالها في بعض الأبعاد؛ كتبخيس عمل السلطات؛ من خلال نشر الفكر العدمي والتشكيكي في المؤسسات القائمة، وعدم الاعتراف لها بالشرعية والمشروعية؛ ومختلف عمليات التشويش والازعاج ومحاولات خلق نوع من الارتباك لدى السلطات من خلال حرب العصابات وقطاع الطرق وخلق نوع من الفوضى لإعطاء الانطباع بغياب الامن والاستقرار لدى الناس؛ والعمليات النوعية في محاولات زعزعة الأمن  والاستقرار؛ من خلال عمليات انتحارية وارهابية نوعية؛ أو حرب استنزاف للمقدرات المالية في إطار الحرب الاقتصادية، او ضرب مصالح البلد؛ أو تجييش المنظمات الحقوقية الدولية ووسائل الاعلام والحرب السيبيرنية او الاليكترونية، وغيرها من صور المناورات وما تعتقده استعداداً على حد زعمها.
أما إذا سألتهم حول استراتيجيتهم المستقبلية في تنظيم وتدبير الحكم؛ يجيبونك، وفق قناعات كل ايديولوجية؛ وهم سواسية في ذلك؛ فالمتشبع بالفكر الماركسي، الذي أصبغ على ايديولوجيته مفهوم النظرية العلمية، واعتبر ميكانيكا التاريخ شيء حتمي وبديهي الوقوع؛ إد بمجرد اتحاد عمال العالم؛ ينهضون ويقضى على الطبقة البورجوازية.
أما أصحاب بعض الفكر الاسلامي الموغل في التطرف؛ فيزعم أن خطته وفهمه للواقع المجتمعي؛ فيرى أن خطته تطابق خطة وفهم الإله؛ وأنه الوحيد الذي يتوفر على النسخة الأصلية للحقيقة الدينية والواقع؛ والآخرون لديهم مجرد نسخة مزيفة. وكأنه اطلع على اللوح المحفوظ واسترق السمع وعرف كل ما يجري هناك في الملأ الأعلى حول خطة واستراتيجية الإله.
كذلك الشأن عند بعض حاملي فكر الرأسمالية أو الحد الاقصى القائم على التنافسية وطحن الاخر في إطار لعبة تحكمها سقف قواعد السوق، دون الاخذ بعين الاعتبار المشترك من الاخلاق والقيم.
وهنا يمكن القول بظهور الاعراض المرضية على مفهوم الديمقراطية، كعلة تحملها بداخلها؛ وتندر باقتراب نهاية عالم وتوجهات إيديولوجية؛ حيث أصبح استدعاء الديكتاتورية أحيانًا لقهر شعوب وأمم أخرى؛ من أجل تحقيق الرفاه لمجتمعاتها على حساب الأولى؛ أمر واقع ويحصل كل يوم بين الشعوب والأمم والدول.
لذلك نلاحظ أن معظم هذه التنظيمات تبقى مشروعًا مجتمعياً فاشلًا؛ بحيث لردح من الزمن وهي تناور؛ ولا تستطيع تحقيق أي هدف محدد؛ فتضحي في إطار حرب طاحنة؛ بالوقت، وبالرصيد الاحتياطي لمجموعة من خيرة الشباب المندفع والطموح المغرر بهم.
وهنا نتساءل؛ ماذا حققت تنظيمات جبهة البوليساريو مثلًا لشباب وساكنة تندوف منذ سنة 1975 حتى يومهم هذا؛ تاريخ "استعدادها" لما تسميه بالكفاح المسلح ضد المغرب؛ من خلال رفع شعار: (لا بديل لا بديل..)؟ ماذا حققه نظام طالبان وفكر بلادن في أدغال وجبال طورا بورا بأفغانستان؛ ماذا حققه نمط تفكير نظام "داعش" في العراق وسوريا؟ من غير الدمار وعدم الاستقرار والتفكير المرهق للعقل البشري!؟
لكن إلى متى هذا الاستعداد!؟ فها هي الدولة موجودة وقائمة؛ والمؤسسات؛ والانظمة؛ والقوانين؛ مستقرة؛ والأمن والسلامة والطمأنينة والصحة والسكينة؛ سائدة؛ وكل شيء جاهز ويشتغل؛ فشَمِّرْ على ساعديك وادخل، وانخرط في المشروع المجتمعي القائم والموجود والآمن؛ عوض طول الانتظار هذا، وبدلا من، وعن، وهم الاستعداد اللامتناهي، وبلا معنى؛ في الزمان والمكان!
فلماذا استدعاء القوة الصلبة؛ عوض القوة الناعمة في الوصول إلى تحقيق الأهداف المرسومة؛ مع أنك تدرك عدم القدرة على تحقيق ذلك؟
نضرب لهم مثلا بالغراب الذي كان دائمًا عبرة وقدوة للبشر؛ ونستحضر قوله تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.) صدق الله العظيم.
هذا؛ ومن خلال أبحاث علماء في مجال العلوم الطبيعية؛ اكتشفوا أن الطائر الوحيد من الجوارح الذي يجرؤ على نقر النسر؛ هو الغراب، حيث تصل به الشجاعة والجرأة حد الوقاحة وقلة الادب لدرجة أن يجلس على ظهر النسر ويشرع في نقر رقبته! لكن النسر مع ذلك لا يعير أية أهمية لذلك، ولا يتشاجر مع الغراب أبدًا، ولا يقضي وقتاً ولا طاقة لإبعاده عنه، إطلاقًا! كل ما يفعل به النسر، هو فتح اجنحته والتحليق به عاليا في السماء، لأنه يعلم أنه كلما زاد ارتفاع الطيران إلى أعلى؛ كلما وجد الغراب صعوبة في التنفس، مما يؤدي بالغراب إلى السقوط ميناً مرتطما بالأرض بسبب نقص الاكسجين في الهواء!
والعبرة من هذا:
لنتوقف عن اضاعة الوقت مع الغربان؛ فقط نأخذهم الى أعلى مستوى عالٍ جدًا في الفضاء؛ في رحلة من الإلهاء والوهم؛ وسوف يسقطون لوحدهم مهما علت بهم قوتهم وجبروتهم واستعلائهم واستقوائهم وقهرهم والتغرير منهم للمستضعفين من أتباعهم من الناس!
في عبرة أخرى:
يحكى ان نزاعا حصل في اجتماع للحيوانات، يترأسه الأسد بحضور الحمار والصقر والفيل والضبع والهدهد والكلب والغراب والنسر ...؛ وهم على طائرة كبيرة جدا في الجو.
غير أنه لوحظ أن الحمار والغراب يعارضان في كل مرة قرارات الأسد! وفي كل مرة يأخذان نقطة نظام من أجل التشويش على مجريات الاجتماع في محاولة لنسفه! فغضب الاسد فأمر طائر الحدية برمي المعارضين له أرضًا بإخراجهم من الطائرة.
ولما همت الحدية بفتح باب الطائرة ورميهم الى الخارج من أعلى؛ لكن قبل ان يقفز الغراب ويطلق جناحيه في الهواء حرا طليقا؛ سأل الحمار:
هل تستطيع أن تطير؟ فأجابه الحمار: لا!
فرد عليه الغراب: فلماذا التحنطيز اثناء الاجتماع!
والعبرة:
من لا يملك القوة الصلبة والقدرة على الفعل وردة الفعل؛ فليبحث له عن طرق ديبلوماسية أخرى؛ كالقوة الناعمة مثلا، كبديل للتحنطيز!

الدكتور شنفار عبد الله باحث ومفكر مغربي




شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا