أضيف في 8 يناير 2021 الساعة 17:21

الجزائر و قضية الصحراء المغربية بين الوهم والحقيقة


ذ. منال بادل باحثة في سلك الدكتوراه في القانون

منذ زمن بعيد، نشهد ونعايش الموقف غير المحايد للجزائر من قضية الصحراء المغربية،  والتي تدعم من خلاله جبهة البوليساريو، حيث إنها تتبنى الطرح القاضي بحق الشعب الصحراوي في انعتاقه من سيادة المغرب، والمسمى بالتحرري، وذلك من خلال تقرير مصيره واستقلاله.

وهنا، نشير إلى أن ملف الصحراء المغربية يمثل الخلاف الأساسي بين المغرب والجزائر، الأمر الذي انعكس سلبا على علاقاتهما الدبلوماسية والسياسية على مدى سنوات طويلة وإلى الآن.
فلا مناص أن الشرخ السياسي بين البلدين عرف أوجه بعد حصول بلد الجزائر على استقلاله، فآنذاك طالب المغرب باسترجاع حدوده التاريخية، وذلك من خلال استعادة الأراضي التي سبق إلحاقها بالبلد الجار في مرحلة الاستعمار الفرنسي، في الوقت الذي تشبثت الجزائر بالوضع كما تركه المستعمر لما له من مزايا عديدة.
منذ ذلك المطلب المشروع ، تقود الجزائر الصراع المفتعل بين البلدين، مما أوصل المفاوضات بين الطرفين لطريق معتم، فكان هذا سببا من ضمن الأسباب الظاهرة أو تلك المخفية من طرف الجزائر، الكامنة وراء نشوب الصراعات بين البلدين.

وفي هذا السياق، يمكننا أن ندرج أحداثا بارزة في الصراع بين المغرب والجزائر، كان من ضمنها ما يسمى بحرب الرمال سنة 1963، والتي أشعل فتيلها هجوم قوات الجيش الجزائري على منطقة "حاسي بيضا" المغربية الواقعة على بعد40  كلم جنوب المحاميد في إقليم ورزازات.

وهنا، نشير إلى أن هذه الحرب كانت أساسا وراء اكتساب الصراع الجزائري المغربي طابعا دوليا، خاصة بعد اكتشاف الحديد في منطقة تندوف، الشيء الذي أدخل الطرفين في مفاوضات سنة  1972، وقعت على إثرها اتفاقية وصفت من قبل العديد من الباحثين بالمجحفة في حق المغرب، ويتعلق الأمر باتفاقية ترسيم الحدود المغربية - الجزائرية التي وقعها كل من المغرب والجزائر بتاريخ 15 يونيو 1972، حيث نصت على اعتراف المغرب بجزائرية تندوف مقابل الاستغلال المشترك لمناجم الحديد ودعم الجزائر لمغربية الصحراء.
وهنا، نشير إلى أن هذه الاتفاقية شكلت إحدى العثرات السياسية المغربية التي فتحت للجزائر منافذ عديدة على المغرب، مكنتها من إيجاد ذريعة قانونية خولت لها الغوص أكثر في ثروات المغرب،  إلا أن بلدنا تدارك الأمر فيما بعد بمجرد وعيه بالمؤامرة التي حيكت له آنذاك.

ففي خضم كل هذا الحراك المفبرك، تأسست جبهة البوليساريو، التي ادعت دفاعها عن قضية الصحراويين المضطهدين، وكونها جبهة تحرير، والتي اتضح بلا منازع أنها شلة من المرتزقة الوصوليين المدعومين بشكل مباشر من طرف دول استهدفت السلم المغربي، وعلى رأسها دولة  الجزائر، التي سعت وتسعى جاهدة لخلق البلبلة للمغرب والتشويش على مطالبه المشروعة، وذلك من خلال احتوائها لهذه الجبهة، تأطيرها، توجيهها، ومساندتها عسكريا، لوجيستيا، سياسيا، دبلوماسيا وماديا، بهدف إقامة دولة مستقلة في الصحراء المغربية، وتأجيج نزاعها القائم مع المغرب، فمنذ تأسيسها، لم تتوان البوليساريو في شن حروب عصابات على بلدنا.

وازداد حقد الجزائر على المغرب خصوصا بعد تدخل الأمم المتحدة التي عرضت قضية الصحراء المغربية على محكمة العدل الدولية بغية تقديم رأي استشاري حول صلتها سياسيا واجتماعيا بالمغرب وموريتانيا، حيث أفضى ذلك إلى قرار تنظيم استفتاء لتقرير المصير، مما كان سببا لانخراط المغرب وإسبانيا وموريتانيا في مفاوضات سرية انتهت بتوقيع اتفاقية مدريد بتاريخ 14 نونبر 1975،  والتي بموجبها تم إنهاء استعمار إسبانيا للصحراء المغربية، حينئذ تم تقسيم هذه الأخيرة بين المغرب وموريتانيا، مع استبعاد الجزائر.
وإثر ذلك بدأت الجزائر بدعم البوليساريوعلنا، مستفزة بذلك المغرب، ساعية إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، واستمرت  في حث جبهة البوليساريو على الحرب ضد المغرب، إلى أن توسطت الأمم المتحدة في وقف إطلاق النار عام 1991.

إلا أنه نتيجة لذلك، وظفت الجزائر كل قدراتها الإرهابية، فلم تكتف بتحريض البوليساريو على المغرب بل جندت إرهابيين ليحدثوا البلبلة له في عقر داره ويزعزعوا استقراره، وظلت تعارض بشدة سيادة المغرب على صحرائه.
ورغم أن المغرب طرح سنة 2007 مبادرة الحكم الذاتي التي من شأنها أن تعطي للأقاليم الصحراوية صلاحيات تسييرية ذاتية موسعة في العديد من المجالات الخدماتية، التنموية وغيرها، إلا أن هذه المبادرة قوبلت بالرفض من طرف جبهة البوليساريو ومحتضنتها الجزائر.

ومؤخرا، إثر الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته كل من الجزائر والبوليساريو، بالاقتحام اللامشروع لمعبر الكركرات الحدودي وقطع الطريق بين المغرب وموريتانيا، توالت انتصارات جيوسياسية واقتصادية للمغرب.
وكان أهمها اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الأراضي الصحراوية، والذي يعد تحولا استراتيجيا في ملف الصحراء المغربية، كونه اعتراف صادر عن رئيس الدولة الأمريكية بأمر تنفيذي، تم توثيقه في السجل الفيدرالي، وبالتالي فهو يعد بمثابة مرسوم، سيكون له قوة قانونية داخل المنظومة الدولية، كل هذا أفقد الجزائر صوابها، فسارعت إلى تنظيم مناورات عسكرية على حدودها الغربية، وجندت إعلامها وأئمتها ومفكريها لنشر الأكاذيب وشحن الرأي العام الجزائري ضد المغرب، حيث إن الجزائر ترفض رفضا قاطعا سيطرة المغرب على معبر الكركرات، لأن ذلك من شأنه أن يخالف ما خططت له من أجل عزل المغرب اقتصاديا، جغرافيا وسياسيا.

وفي هذا السياق، رغم أن الجزائر منذ بدايات دعمها للبوليساريو تبرر موقفها اللامشروع كونها تتشبث بمبدأ سبق وأن تبنته في قراراتها السابقة مع قضايا دولية إنسانية، والمتمثل في رفضها كل حالة استعمار من أي جهة كانت، بيد أن مساندة الجزائر للبوليساريو تخفي في طياتها مصالح وأطماعا وأحقادا دفينة ظاهرة للعيان، ورغبة ملحة في تصفية حسابات قديمة مع المغرب.

فمن ضمن الأسباب الحقيقية وراء دعم  الجزائر لجبهة البوليساريو، أن هذه الأخيرة تنظر إلى المغرب أنه تهديد لأمنها القومي، وبالتالي يجب إضعافه قدر الإمكان، لذا فهي تسعى جاهدة لعزله عن محيطه الإفريقي، كي لا يشكل منافسا استراتيجا لها، الأمر الذي يعد من قبيل المستحيل، إذ أن الجزائر هي التي لا يمكنها أن تبلغ ما حققه المغرب من انتصارات و نجاحات جيوسياسية عديدة في المنطقة وكذا على الصعيد الدولي، وأيضا أمام إصرار المغرب على الحفاظ على علاقاته مع الدول الإفريقية من خلال تشبته بالانتماء للاتحاد الإفريقي، ومد يد المساعدة له كلما اقتضى الأمر.

إضافة إلى أن للجزائر أسباب اقتصادية، تسعى إثرها باستمرار إلى شغل المغرب و إلهائه بقضية الصحراء المغربية، باعتبارها قضيته الأولى، عن أطماعها الاقتصادية الحقيقية في الثروات الضخمة التي تتوفر عليها المناطق الصحراوية.




شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا