أضيف في 28 غشت 2020 الساعة 19:59

اللغة من الكلام إلى المعنى ..


 

    إيمان بلعسري 

              لكم يكلفنا الكلام ؟ ماذا يعني أن نتكلم ونكون كائنات متكلمة قادرة على الحذيث والتواصل السرد والتعبير .....في محاولة للجواب أقول اللغة ، اللغة لم تغب في  أي مرحلة من مراحل الوجود الإنساني ، للتاريخ كلمته في ذلك على شاكلة لغات قديمة ساعدت على اكتشاف أسرار حضارات بلت منذ قرون ، كما هو الحال للغة السومرية والهيروغريفية ...إلخ ، تنتج اللغة وتنتهي بما يسمح به قانون التحول والصيرورة الإنساني على آعتبارها لا تنفصل عن تمنطق عالم الإنسان إن كان داخليا أو خارجيا ما يبعث في الصميم فعلا هو تمفصل مفهوم اللغة كرمز يشير لمعنى ما من المعاني و عن حقيقة معينة قد تواجه مخاضا توليد حقيقة أخرى مختلفة عن الوليد الأول لحظة الترجمة ( الأدب كنموذج ) .

تندرج اللغة ضمن وظائف التكيف داخل المجتمعات الإنسانية ، فأول ما يطلب منك في القنصليات الأجنبية هو إمكانية التواصل بلغة البلد المظيف لك قبل أن تكون مطلوبا بثمن التأشيرة وتكاليف السفر بكل بساطة :" هل يمكنك الإنتقال من هويتك الشخصية نحو هويتك المختارة من دون حواجز ؟"، ذللك لأن المادة حالها كحال كل ماهو قابل للزوال أو الحضور في أي وقت ، لكن اللغة على العكس من ذلك تماما تتطلب جهذا ومالا والأكثر تكلفة لأنها تتقل الإدراك بسرديات جديدة على متلقيها تابعة لثقافة الشعب الذي يتواصل من خلالها فمفاهيم الفرح والحزن والإحتفال تختلف من ثقافة لثقافة لأن ما يحمكها هو الموروث الإنساني الذي ولد أثناء الكلام بين طائفة / شعب / أقلية / مجتمع .

بهذا الشكل تكون اللغة جملة من الرموز المؤثرة والمستقبلة تحتمل العالمين المادي ، والخلفي للأسطورة والقصة الشعبية والفن الأمر الذي يجعل منها عملية تبادلية للأخذ والعطاء بين الممكن والمحتمل و الجديد ، لذللك صنفت الفلسفة الإنسان ككائن يختص بالكلام قبل كل شيء و أي شيء في حالتي الجهر والصمت " حيوان ناطق " ؛ فالأفكار نعبر عنها بالكلمات والعبارات والعلامات والمدلولات الكفيلة بثكتيف الإنفعالات والأحاسيس و الهواجس العقلية ، مما يفسر عدم إمكانية الحيوانات على الكلام ...بكل بساطة لأنها معدمة من ملكة العقل والتساؤول فهي تكتفي بالإشارة ( النباح مثلا ) كمجرد واقعة فيزيائية لا تفك روابطها بروابط طبيعية مادية محضة ؛ و كبديل عن الرمز باعتباره دليلا نحو التأويل والتدليل وبالتالي الإبداع مما يخلق آنطباعا يتجاوز من خلاله الإنسان الجانب الحسي نحو النقدي كما هو الحال بالنسبة للغة أديب أو مفكر أو على نطاق أوسع إنسان اختار أن يمتهن الكتابة كحرفة له إذ يمرر من خلال لغتة شخصية جملة من التساؤولات و الإهتمامات و اللحظات الحميمية و الإيحاءات تخاطب ذكاء قارئ نهم يشاغب المعنى من حين لآخر ؛ فالفكر متضمن في اللغة واللغة متضمنة  للفكر ولا يعزى مساحة لفصل أحدهما عن الآخر حتى في لحظات الصمت المؤججة لثرثرة " لغة داخلية " غير معلنة .

تبلغ اللغة أوجها في تتويج فكرة ، لكنها قد تفشل قد  عندما تخوض معركتها مع ترجمة فكرة من لغة إلى لغة أخرى بشكل حرفي ، أو تذويت إحساس بشكل خالص لاغية الإستعارات والتشبيهات وجل الوسائل الناعمة لتكوين كرة تلج قابلة للذوبان لحظة التلقي بها للوهلة الأولى هذا من جهة ، إلا أن بيولوجية الإنسان تفرض وجودها في اللغة هي الأخرى من خلال عنصر التعود على لغة من خلال التنشئة و مخرجات المناهج التعليمية ، ما يجعل من العضلات المكتسبة تتحمل مسؤولية الفكر على عاتقها و الجهر به فضلا على التوليفات العضلية التي توضح الكلمات لحظة الإفصاح عنها ؛ فاللغة الظاهرة بصوت مسموع تختلف كل الإختلاف عن اللغة المشوشة التي تطفو على شاكلة وشوشة أو حركة تحتمل الشك قبل اليقين بها لا لشيء سوى أنها خرجت عن نطاق تمرس العضلات وتوليفاتها إلى المرحلة  الأولية ما قبل اللغة وما قبل الإنسان " الإشارة " .

لكن على الرغم من مخلفات اللغة المشوهة التي قد ينتجها الصمت فإن اللغة الظاهرة قد تتيح ما تتيحه أية عملية صناعية لآلة معينة :"التوجيه ، الإشارة ، الأمر " كما هو الحال للسيارات الحذيثة الأتوماتيكية التي تفكر بدلا عن سائقها ، وتدله عن الطريق من دون أن يكتنف عناء التنقيب في خريطة ورقية وقد تحذره من انتهاء الوقود آمرة إياه بالتعبئة الطاقية للسيارة ، كل هذه الأعمال تتسلمهم اللغة دون أن تتخلى عنهم لغيرها عبر جهاز السلطة كفهوم يطبع العلامات الإنسانية للمجتمعات الحذيثة في هذه الحالة تكون اللغة مساحة شاسعة من سلطة الكلمات طبعا لما تفرضه عبر العنف المشروع :" القوانين و التقاليد والأعراف "، فالحرام في الشرق ليس هو الحرام في الغرب مثلا ، إذ تحتمي كل لغة بمفمهة الممنوع حسب التقافة التي دونت كلماتها ، فالنظم الإجتماعية هي تجمهر للسنن اللغوية وكل إخلال بها يشكل تزحزحا لتوازن مبتدع وغير قابل لخلخلته ، فالإسم على سبيل المثال لكل منا إسمه لكن ماذا لو ناداك أحد بغير آسمك أول ردة فعل لك ستستغرب ، لكن مباشرة بعد الإستغراب ستصحح لمخاطبك سوء فهمه من خلال الإعلان عن آسمك الشخصي ، قد تبدو هذه ردة فعل عادية غير أنها في العمق تعبر عن مدى آرتباط الذات بالمألوف الذي يرفض أي آستيلاب ذهني كتسمية الأشياء بغير مسمياتها ، هذا ما ينطبق على وجه أقرب على الإستعمال الغير الصحيح للغة حيث الخلط بين خليطين غير متجانسين تماما ، كالمزج بين خطاب السياسة و خطاب القداسة أمر يثير الإلتباس و يخلق قطيعة الذات مع العالم ، والعالم مع الذات ، ولو أن كل منهما متضمن في الآخر لكن الفصل ممكن في لحظة المزج المغلوط بين خطابين لا علاقة بينهما مما يعزو له قيام أنظمة جديدة على أنقاض القديمة أو العكس الإستمرار على وتر الوضع السائد و تدوير بذور فوضى ستعلن عن وجودها فيما بعد.

اللغة هي قوننة للحوار من خلال الحوار ذاته في آستعمال سليم للمصطلحات والكلمات المتاحة لتنظيم العلاقات بين الناس وترتيب أولويات الشخص كشخص ، والمواطن كحيوان سياسي. ، والميت ككائن قابل للعدم كل على حذا ، فاللغة هي تلك القوة الموجهة للدخول أو الخروج من العالم ولو أنها تتواطأ مع السلطة في آختلاق سلطة أخرى تتكلف بالنهي ، والأمر والعقاب النفسي حين يقتضي الحال  ؛ لاسيما داخل قاعات العرض و الفصل الدراسي ...إلخ ، كل ذلك يندرج في لائحة الآداب والأخلاق العامة الموجودة فعليا تحت توقيع اللغة ، الأمر الذي يحد من تحقيق الحياة الداخلية لصالح نظيرتها الخارجية ، شقاء للوعي لكنه  شقاء ضروري ولابد منه آختاره أجدادنا للسلام و التعاقد على التغلب على الشر وفق تعاليم مثفق عليها في وقت كان يسود فيه القوي على الضعيف ، ولا يبقى للإنسان إلا أن يدرب نفسه على القتال بدل التفكير والمعرفة ...

المثير للإنتباه أن اللغة حتى في حالة الدولة لم تتخلص من مفهوم السيادة ، كشرعية إطلاق التسميات والألقاب داخل المجتمع ما يجعل تأصل اللغة ينبع من السلطة و الهيمنة ، كما هو الحال بالنسبة لإنسحاب النخب المثقفة من النقاشات الراهنية حذو الأفكار الطوباوية تارة والإصلاحية تارة أخرى من دون محاولة المشاركة في تفعيل أي منهما ، الأمر الذي يجعل المهمش في مكانه ، والمثقف المطقم على ناصية برجه العاجي ، مما يستبيح صراعا طبقيا ليس بين من يملك ومن لا يملك بل بين من يعرف ومن لا يعرف ومن يحاول أن يعرف ، وسط كل هذا اللغط يضمر الفعل ويطمر ،فيصعد للسطح بقايا الشيء المتنازع عليه :"الحق".

فالتعارض لم يعد بين الخير و الشر، بقدر ما هو ممنهج بين القديم والجديد ،  فاللغة القديمة متداولة ومكررة لدرجة أنها تغذو نمطية خاصة إن بلورت أيديولوجية وقولبتها في لغة شعبية مستعملة ، حيث يصبح كل شيء قابل للتكرار والتدوير مع تغيير الغلاف الخارجي فالمعنى بالماضي هو نفسه معنى اليوم ، وخطاطات ومضامين المشاريع الفكرية قد تكون تجسما محنطا الإظافة فقط في الزمن وفي وسائل التعبير عن عملية التدوير والتكرار.




شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا