أضيف في 21 يوليوز 2020 الساعة 13:39

المشرع المغربي لا يوقفه شيء إلا سعة الإمكانات؛ دراسة في الفعل الاداري المغربي


 

بقلم الدكتور شنفار عبدالله

منذ العام 2000؛ أي بعد مرور حوالي 20 سنة على صدور النسخة الأولى من مؤلف لي حول الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية، دراسة في الفعل الإداري المغربي؛صدرت ترسانة قانونية تهم العديد من القطاعات والمجالات ذات الصلة بالإدارة المغربية. 

هذا؛ ولدراسة وتحليل موضوع الفعل الاداري المغربي، دراسة في عقلية الادارة المغربية؛ ننطلق من التساؤلات التالية:

هل الإدارة المغربية في حاجة إلى كفاءات؟ هل البحث في مجال الفعل الاداري المغربي يبقى من باب العبث؟ هل هناك مجتمع مدني يستطيع الوقوف في وجه النزعات التسلطية للفعل الاداري؟ ما هي أبعاد ازمة مفهوم السيادة والتحولات من دولة سيادة الى دولة الخدمة العمومية المقدمة للمواطن؟ الادارة المغربية وبطاقة التنقيط الى اين؟ الإدارة الرقمية مدخل للشفافية والتحديث الى أين؟ كيف ندرس الفعل الاداري وعقلية الادارة المغربية؟ لماذا الوظيفة العمومية وليس الموارد البشرية؟ ما هي القيمة المضافة لهذه الدراسة؟

هذه بعض الاسئلة المنهجية التي نبدأ بها هذه الدراسة؛ ونجيب: ان فرضية هذه التساؤلات تنبع من كون الادارة المغربية بصفة عامة، ومن خلال الفعل الاداري؛ تحيل الى بعض السخف في المؤسسات الناتج عن سخف فيالعقليات.

وفي اعتقادي نحن لسنا في حاجة الى كفاءات ادارية؛ فالإدارة مليئة بهذه العقليات التي تجاوزت حدود التضخمالكفاءة في جميع الميادين والمجالات والقطاعات.

بل أصبحنا نحتاج في الفعل الاداري المغربي والعقليات الادارية؛ الى أشخاص يجمعون بين الكفاءة والثقة والصدق والإخلاص في العمل. في الحاجة إلى قيادة إدارية فاعلة؛ لا لشيء؛ فقط لأنهم مؤتمنون على مصالح الناس. كما عبر عن ذلك جلالة الملك محمد السادس بالقول: "ولوضع حد لهذا المشكل، فإن العامل والقائد، والمدير والموظف، والمسؤول الجماعي وغيرهم، مطالبون بالعمل، كأطر القطاع الخاص أو أكثر، وبروح المسؤولية وبطريقة تشرف الإدارة، وتعطي نتائج ملموسة، لأنهم مؤتمنون على مصالح الناس". مقتطف من نص الخطاب الملكي السامي الذي وجهه جلالة الملك يوم السبت 29 يوليوز 2017، بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لعيد العرش.

هناك بعض الموظفين الغير مسئولين عن تأدية واجباتهم الوظيفية بالأسلوب الذي ينعكس إيجاباً عليهم وعلى خدمات المرفق، ولا يبذلون أي جهد في تطوير قدراتهم ومهاراتهم باستمرار حسب متطلبات العمل، وأهدافهم ومتطلباتهم الذاتيـة. وقد أدان كذلك جلالة الملك هذا السلوك في الفعل الاداري ووصفه بشكل دقيق حينما قال: "أما الموظفون العموميون، فالعديد منهم لا يتوفرون على ما يكفي من الكفاءة، ولا على الطموح اللازم، ولا تحركهم دائما روح المسؤولية. بل إن منهم من يقضون سوى أوقات معدودة، داخل مقر العمل، ويفضلون الاكتفاء براتب شهري مضمون، على قلته، بدل الجد والاجتهاد والارتقاء الاجتماعي. إن من بين المشاكل التي تعيق تقدم المغرب، هو ضعف الإدارة العمومية، سواء من حيث الحكامة، أو مستوى النجاعة أو جودة الخدمات، التي تقدمها للمواطنين".

"فإذا كنا قد نجحنا في العديد من المخططات القطاعية، كالفلاحة والصناعة والطاقات المتجددة، فإن برامج التنمية البشرية والترابية، التي لها تأثير مباشر على تحسين ظروف عيش المواطنين، لا تشرفنا، وتبقى دون طموحنا... وتزداد هذه المفارقات حدة، بين القطاع الخاص، الذي يتميز بالنجاعة والتنافسية، بفضل نموذج التسيير، القائم على آليات المتابعة والمراقبة والتحفيز، وبين القطاع العام، وخصوصا الإدارة العمومية، التي تعاني من ضعف الحكامة، ومن قلة المردودية". مقتطف من نص الخطاب الملكي السامي الذي وجهه جلالة الملك يوم السبت 29 يوليوز 2017، بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لعيد العرش

فالإدارة المغربية لا تعنى بوظيفة واحدة فقط؛ بل لها عدة وظائف تتجلى في كونها موكول اليها بمهام متعددة؛كتحسين الوضعية الاجتماعية؛ أي الترقية الاجتماعية.وموكول اليها كذلك وظيفة الادماج الاجتماعي من خلال القضاء على صور التنضيد الاجتماعي المتنافر؛ حيث المجتمع الاداري يجمع عدة عقليات من جهات ومناطق وتقاليد وعادات مختلفة من المغرب. وموكول اليها كذلك التوظيف السياسي حيث نسمع بأحزاب الادارة. وموكول لها وظيفة الحركية الاقتصادية من خلال القطاع العام الذي يعد اكبر مقاولة للتشغيل من أجل سد الاختلالات المركبة الناتجة عن سد الفراغ باي طريقة بعد ذهاب المستعمر. 

لكن أين تكمن أهمية البحث في دراسة الفعل الاداري المغربي؟

طرح السؤال مرده الى صعوبة تناول هذا الموضوعوالبحث في الفعل الاداري المغربي وعقلية الإدارة المغربية، التي تكمن في بعض العناصر والمحددات والأبعاد والسياقات التي يمكن اجمالها في كثرة المرافق العامة وتشعبها وصعوبة فهمها واستيعابها. وظهور انماط جديد في مقاربة التنمية على المستوى الوطني وتراجع ادوار الدولة في ظل تنامي دور المحلي واللجوء الى البحث عن شركاء في رسم السياسات العامة والعمومية والقطاعية.

الأهمية الأكاديمية والبحث الأكاديمي، حيث ان الباحثين في مجال العلوم الإدارية لم  يخصصوا مجالا متميزا للفعل الاداري، وتبقى الدراسات تشمل القرار الإداري والإجراءات القانونية المرافقة له والتي اتخذ في إطارها؛ بحيث اهتم الباحثون ولوقت طويل بمجال تبرير الإدارة للقرار المتخذ ومحاولة إعطاء مفهوم للسلطة التقديرية للإدارة والإصلاح الاداري إلى غير ذلك؛ في حين أن الفعل الاداري محور نشاط الادارة، والذي هو في نفس الوقت ذو طبيعة قانونية وسياسية واجتماعية ونفسية وإدارية؛ وما كان ليعرف تطورا لولا مساهمة حقول معرفية أخرى ساهمت في بلورة نظريات علمية في هذا المجال؛ كعلم الاقتصاد والمحاسبة وعلم الإدارة وعلم الاجتماع وعلم النفس الاداري والاجتماعي والقيادة الى غيرها من العلوم.

وحتى الكتابة عن المرافق العامة تأتي متفرقة في العديد من الأبحاث، كالقانون الإداري المغربي أو الوجيز في القانون الإداري المغربي او النشاط الاداري او الادارة المحلية... إلى غير ذلك.

غياب الانفتاح بين الإدارة والجامعة، بحيث تحت غطاء ودريعة السر المهني الاداري الذي تتدرع به العقليات الإدارية على الرغم من وجود (القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومة). بالإضافة تراكم الأرشيف؛ لم يتم هدم الجسور والجدار الفارقة بين الادارة والجامعة.

تولي المغاربة بعد الاستقلال امور الإدارة، ومن جراء ذهاب المؤطر الأجنبي، وحيث قوة الفكر التحرري، مما جعل نوعا من القطيعة بين المرحلة السابقة، حيث تم تدمير كل ماله صلة بالاستعمار، بالإضافة الى ان السلطات الفرنسية أخذت جل الوثائق المهمة معها.

الادارة والقانون الإداري عنصران مرتبطان، لكن دراسة الإدارة العمومية لا يقتصر النظر إليها من وجهة النظر القانونية فقط، ولكن هي مجموعة عناصر بشرية، مادية، مالية، وتقنية إلى غير ذلك، وهذه العناصر لا يمكن التغاضي عنها وإلا كانت النظرة قاصرة ومحدودة في الحقيقة المكونة للإدارة العمومية.

أيضا الظاهرة الإدارية تقيم حدودا بين الإدارة العمومية والإدارة الخاصة، حيث إن النتائج العامة المتوصل إليها في هذه الأخيرة يمكن أن تستعين بها الأولى في مجالي التدبير والتسيير والعقلنة والترشيد، إلا أن المنظومة الإدارية في المغرب عرفت تطورا خلال العقود الأخيرة؛ حسب منطق خاص بها وبعقلياتها على عكس ما يذهب إليه "ميشال روسي" في كتابه: "المرفق العام بالمغرب"، حيث يرى أن هذا التطور ثم في إطار النظام الإداري الفرنسي!

يمكن رسم صورة لهذا الوضع: كمن ينظر إلى كأس منتصف حليبا؛ فئة ترى وتقول: "آه، أف، إن الكأس فارغ حتى النصف! وهي نظرة ثورية تدخل في خانة التشاؤم من المتحقق والمتاح في مجال التنمية. وفئة أخرى ترى وتنظر بعين الارتياح وتقول: "الدنيا بخير، الكأس إنما ممتلئ حتى النصف" فهي نظرة تفاؤلية.

لكن ما هي أهداف البحث في الفعل الاداري المغربي؟

على عهد الحماية، يئس الانسان المغربي من طول انتظار ما كان يسمى بإيديولوجية العقد الاصلاحي الذي تدرعت به السلطات المحتلة وصور القهر والادلال الممارس عليه؛ فاختار سبيل التضحية. وضحى فعلا من أجل الاستقلال والحرية، من أجل التنمية؛ قبل التضحية كي يستفيد او تستفيد الأجيال القادمة من تنمية البلاد وخيراتها وتدبير شؤونه بنفسه في استقلالية ومعزل عن أي تدخل.

لكن حدث وأن حصل المغرب فعلا على استقلاله، وحصلت التنمية فعلا وتحققت في مجالات عديدة ومتعددة، إلا أنه حدث وأن استفادت فئة قليلة جدا من المتاح من هذه التنمية، من خلال مركزة سلطة القرار والثروة في يد فئة قليلة جدا من المسؤولين، في حين همشت الغالبية العظمى من أفراد الشعب المغربي، دون مبرر شرعي لهذه المفارقة!

وفي هذا الاطار؛ ونحن نقرأ الى جانب الاحالات والتوجهات الملكية السامية؛ نستحضر مقتطفا من نص الخطاب الملكي السامي الذي وجهه جلالة الملك يوم السبت 29 يوليوز2017، بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لعيد العرش حيث قال: "ولكننا نعيش اليوم، في مفارقات صارخة، من الصعب فهمها، أو القبول بها...بقدر ما تصدمنا الحصيلة والواقع، بتواضع الإنجازات في بعض المجالات الاجتماعية، حتى أصبح من المخجل أن يقال أنها تقع في مغرب اليوم.

فإذا كنا قد نجحنا في العديد من المخططات القطاعية، كالفلاحة والصناعة والطاقات المتجددة، فإن برامج التنمية البشرية والترابية، التي لها تأثير مباشر على تحسين ظروف عيش المواطنين، لا تشرفنا، وتبقى دون طموحنا." 

ومرد ذلك، يقول جلالة الملك محمد السادس في تشخيصه لهذا المشكل: "وذلك راجع بالأساس، في الكثير من الميادين، إلى ضعف العمل المشترك، وغياب البعد الوطني والاستراتيجي، والتنافر بدل التناسق والالتقائية، والتبخيس والتماطل، بدل المبادرة والعمل الملموس". انتهى كلام جلالة الملك. مقتطف من نص الخطاب الملكي السامي الذي وجهه جلالة الملك يوم السبت 29 يوليوز 2017، بمناسبة الذكرى الثامنة عشر لعيد العرش.

فالتنمية لا تكون لها شرعية لدى الشعوب إلا إذا كانت هذه الشعوب تستفيد منها بشكل كلي، سريع ومباشر أيضا، وهذه هي التطلعات التاريخية لحركة التحرير الوطني. هذا الخطاب فقد شرعيته لدى الشعب المغربي، وأصبحت التنمية مجرد شعار في الخطاب السياسي للأحزاب، وذلك نتيجة استراتيجية الحكومة وتوجهاتها وسلوكها الذي أصبح يعيش حالة تأزم، فقضت بالتالي على المشروع التنموي الوطني الذي ضحى الانسان المغربي من أجله ولازال يضحي، والمتمثل في المبادئ الثلاثة التالية:

الأول: مبدأ الوطني أو الوطن. لكن ما معنى وطني؟ فوطني يعني التقوقع على الوطن، كيفما كان هذا الوطن منسجما أو غير منسجم، وبتركيبته التنضيدية الاجتماعية المتنافرة.

الثاني: مبدأ الديمقراطي: والديمقراطية هي إحدى المطالب العامة؛ والديمقراطية بشكل بسيط بنية اختلاف، مصالح متناقضة للطبقة العاملة، الفلاحين، التجار، المهنيين... إلى غير ذلك. فئات اجتماعية عديدة ومتنوعة تستطيع تنظيم نفسها بشكل ديمقراطي مستقل عن الدولة، ويبقى للدولة دور المنسق في المفاوضات وخلق التسويات، وهنا تكمن مشروعية الدولة.

الثالث: مبدأ الشعبوي: فالتنمية لا تكون لها أية شرعية لدى الشعوب إلا إذا كانت هذه الشعوب تستفيد منها بشكل سريع ومباشر وشامل، وهذه هي الحدود التاريخية لحركة التحرير الوطني؛ فالإنسان المغربي قبل التضحيات من أجل الدخول في مرحلة التحديث وتحقيق تنمية وطنية يستفيد منها. كان ينتظر أن يستفيد من تضحياته أو يستفيد منها أبناؤه فيما بعد و ان يتولى تدبير شؤونه بنفسه. 

هذا الخطاب فقد شرعيته، وذلك، حتى وأن التنمية تحققت في العديد الجوانب والمجالات، إلا أنه لم يستفد منها بالشكل الذي كان يطمح إليه، بحكم فشل السياسات القطاعية والعمومية.

لذلك أصبحنا نحتاج لنمط من التنمية تشرف عليه نخبة مسؤولة تستجيب للمشاكل والمطالب الشائكة والخروج من عنق الزجاجة، في ظل ظروف وملابسات داخلية ومناخ اقتصادي عالمي متغير باستمرار.

فكيف نستطيع أن يكون بلدنا منافسا قادرا على الدخول إلى اقتصاد السوق، أي هل هذه النخبة ستتيح لنا اللحاق بالمراكز الرأسمالية المتقدمة والمسيطرة عالميا؟

اعتبار أن السياسات العمومية، ومن خلال مسلسل الفعل الاداري ومساراته؛ يشكل معطى مهما لرصد تطور دولة او إدارة أو مؤسسة معينة، بحيث أن موضوع السياسات العامة أصبح يؤخذ كمؤشر من بين المؤشرات لتقييم عمل الأنظمة السياسية في إدارة الحكم وتدبيره، ذلك أن مؤسسة البنك الدولي في تقريرها عن مؤشرات إدارة الحكم للعشرية؛ ركزت بالأساس على مدى قدرة الحكومات على بلورة وتنفيذ سياسات عامة ومدى مصداقية التزام هذه الحكومات بتلك السياسات كمعيار للفعالية الحكومية، وذلك من خلال معايير مضبوطة اعتمدتها في عملية تقييمها للسياسات العامة والقطاعية والعمومية بمختلف الدول المعنية بمنحها القروض المالية والتي حددتها في المعايير والمؤشرات التالية:

أولا: نوعية الخدمات العامة المقدمة من قبل الحكومات لتلبية الطلبات الاجتماعية ونوعية أجهزة الخدمة ودرجة استقلاليتها عن الضغوطات السياسية وغيرها من الضمانات الفعلية.

ثانيا:إبداء الرأي والمساءلة الديمقراطية وحرية التعبير والتنظيم وتكوين الجمعيات، وحرية وسائل الإعلام والاستقرار السياسي وغياب مسببات العنف السياسي الرئيسية وكذا مدى قدرة المواطن في بلد ما على المشاركة في انتخاب اعضاء حكومته بشكل حر ونزيه.

ثالثا:مؤشرات الإرهاب والاستقرار السياسي و انعدام العنف؛ أي مختلف التصورات المتعلقة باحتمال زعزعة استقرار الحكم من خلال وسائل غير دستورية أو عنيفة بما في ذلك الأعمال الإرهابية والانقلابات العسكرية.

رابعا: معيار الفعالية الحكومية؛ أي نوعية الخدمات العامة ووضع السياسات العامة ومدى مصداقية والتزام الحكومات بتلك السياسات ونوعية الإجراءات التنظيمية وقدرة الحكومة على تنفيذ قرارات وإجراءات تنظيمية سليمة تسمح بتشجيع القطاع الخاص وتنميته ومدى سيادة القانون ومدى ثقة الناس فيه.

خامسا: مؤشرات مكافحة الفساد ومدى محاربة استغلال السلطة العامة لتحقيق مآرب خاصة ومكاسب شخصية بما في ذلك إعمال الشطط واستحواذ أصحاب المصالح الشخصية على ممتلكات الدولة.

هناك إذن رهانات وتحديات أمام المسؤولين، فشروط اقتصاد السوق، ومن خلال البنى الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية لبلدنا ستؤدي إلى مزيد من التهميش والضغط الاجتماعي، كونها لا تتناسب ونظمنا؛ حيث سيطرة المراكز، وقدرتها على التحكم في وسائل التكنولوجيا، والنظام المالي، والتأثير على الرأي العام، والرأي السياسي، والثقافة، كلها أساليب غير اقتصادية، لكن لها تأثير كبير.

فنحن ننتمي إلى العالم المتخلف الذي يلعب دورا متواضعا على المسرح العالمي، وذلك بحكم العلاقة الغير المتكافئة. فالتعاون شمال جنوب في إطار ما يسمى "بإمبراطورية الفوضى" لا يعد سوى شعارا ديبلوماسيا؛ وبالتالي فاللحاق في إطار الاعتماد المتبادل يبقى طوباويا بحكم عنصر الاستقطاب الذي هو روح الرأسمالية.

أصبح معروف اليوم أن قوة الدولة في إطار ما يسمى ب: "نظام عالمي جديد" لم تعد تقتصر فقط على المجال والعتاد العسكري، بل قوتها إنما تكمن في مدى متانة وقوة اقتصادها، قوة التكويم الرأسمالي؛ فكم من دولة لها قوة عسكرية ضاربة، لكن هياكلها الاقتصادية تعيش حالة العجز، وبالتالي لا تشكل قوة على الساحة الدولية، فالدول في الصف الأول أصبحت تلوح بورقة التغذية (الخبز) كسلاح فتاك لا نظير له، فالذي لا يضمن قوت يومه من الخبز، أصبح لا يملك حريته في اتخاذ القرار وتحديد السياسات.

فهل تجربة اللامركزية، تجاوزت مجرد الشعار في الخطاب السياسي للإدارة؟ فالسلطة من فوق او من المركز فرضت حلولا وحددت اختصاصات، دون أبسط المعايير ودون أن تسمح لها، أي الإدارة المحلية بتنظيم نفسها، بشكل مستقل عن سلطة الدولة؛ فقوانين 1963، 1971، 1976، 2009، 2015؛ نفس الشيء بالنسبة لقانون الجهة، لم يأخذ بعين الاعتبار الفوارق الجهوية وخصوصيات كل جهة على حدة؛ حيث حددت اختصاصات تسري على جميع الوحدات المحلية دون الأخذ بعين الاعتبار الوضع الاستثنائي والخاص لهذه المنطقة او دون تلك؛ التجربة البريطانية في مجال اللامركزية تقوم على تفويت الاختصاصات للجماعات المحلية وتخضع كل جماعة لقوانين تراعي خصوصياتها المحلية.

فهل بالإمكان تصور إدارة ترابية، في إطار لا مركزية اقتصادية تستطيع اللحاق ومواجهة العولمة، والتحكم بشكل لا يضر مصالح الفئات الاجتماعية؟ هل وصلنا فعلا إلى مرحلة انفصام الدولة؛ حيث الحضور في المجال السياسي والغياب في المجال الاقتصادي؟

لقد تم تجاوز دور الدولة التقليدي، وتشعبت تدخلاتها، وأصبح عبء التنمية بمفهومه الشامل يقع على عاتق الدولة في آخر المطاف، كعنصر عول عليه كثيرا لتحقيق الرفاه والعيش الكريم للإنسان المغربي، وتحت طائلة "ايديولوجية الصالح العام".

فالذين يرفضون انفتاح بعض القطاعات، التي لا أريد تسميتها هنا، بدعوى أن ذلك يتسبب في فقدان مناصب الشغل، فإنهم لا يفكرون في المغاربة، وإنما يخافون على مصالحهم الشخصية". مقتطف من نص الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 20 لعيد العرش سنة 2019.

فقد تم إبعاد عنصر الخواص، وجاءت مرحلة للتنازل عن هذه الأيديولوجية ونهاية عالم وتوجهات ما سمي بالتأميم، المغربة، الصالح العام بصفة عامة، وأصبحنا نلوح بورقة الخوصصة، التدبير المحلي، التدبير بالوكالة او التدبير المفوض ... إلخ.

لكن هذه المرة، ان نقرر الدخول في رهان الجهوية الموسعة؛ ذلك ما يحفزنا على ضرورة طرح السؤال هل وصلنا فعلا الى تجربة في مجال سياسة اللامركزية تسمح بتخلي الدولة لفائدة النخبة المحلية وترك المجال لها لاتخاذ القرار المحلي والسياسات العامة المحلية المناسبة لها؟

ان جدلية الاعتماد المتبادل في معادلة القرار المحلي ومتطلبات التنمية المحلية، من خلال الأسس الثلاثة التالية:

1. ضمان تنمية المجتمع المحلي، من جهة أولى والتي ليست بالعشوائية او الارتجالية؛
2. لكن ضمن رسم البرامج والاستراتيجيات، والخطط لبلوغ الأهداف من جهة ثانية؛
3. وأخيرا أن يكون قابلا للتطور والانفتاح من خلال تضمين ذلك مرونة كافية، من جهة ثالثة.

ومن أجل رسم استراتيجية تنموية تساير هذا التطور الحاصل وتفادي النقص الحاصل في التكويم الرأسمالي؛ دعا جلالة الملك الى تبني نموذج تنموي جديد يقوم على ثلاثة عناصر اساسية: تقويمية واستباقية واستشرافية.

إن النشاط الإداري بصفة عامة، يحتاج إلى الوسائل المادية الضرورية لإنجازه من جهة، والعنصر البشري الكفء والوسائل القانونية التي تضبط سير الإدارة وتحدد نشاطها وتدخلها، من جهة ثانية كدعامات أساسية لكل فعل اداري وتنمية إدارية تسعى إلى الرفع من مستوى الخدمات المقدمة للمواطن بأقصى سرعة ممكنة.

وحتى لا نكون من أصحاب الفكر التبخيسي وحاملي الفكر العدمي والتشكيكي والنظرة المتطرفة في إلى الفعل الاداري والمتحقق من التنمية، ومن رؤية الطرح الواقعية، يمكن القول ان مغرب سنة 1956 ليس هو مغرب سنة 2020، سواء على مستوى الانجازات والمشاريع المحققة، أو دينامية وتطور المجتمع المغربي، الذي عرف نقلة نوعية على مستوى العديد من المجالات في البنيات التحتية الاساسية والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والثقافية والسياسية.

حقيقة لا يمكن إنكارها، إلا أنه لازلنا نحتاج لمزيد من الجهد المتواصل حتى نستطيع أن نقوم الاعوجاج ومواطن الضعف، وحتى نستطيع اللحاق بالمراكز العالمية المتقدمة وعلى جميع المستويات.

من خلال هذه الفرضيات يمكن صياغة الإشكال المراد تفكيكه في: جدلية الاعتماد المتبادل في معادلة الفعل الاداري والتنمية، أي هل وكيف يمكن أن تتعايش عقلية الادارة المغربية بوضعيتها الحالية ورهانات ومتطلبات، اقتصاد السوق والجانب الاجتماعي والسياسي للإنسان المغربي؟ وبعبارة تقول الأوضح هل وكيف في مقدرة الادارة المغربية بعقليتها وفعلها هذا أن تجعل التنمية تأخذ مسارها الصحيح، من خلال وضع استراتيجية لمعادلة الصالح العام والصالح الخاص، أي من خلال العمل على تشجيع وإتاحة الظروف الملائمة للمبادرة الفردية، مع توجيه ذلك نحو خدمة الصالح العام؟

وفي إطار مشروع بديل لهذه العلاقة القائمة والمتأزمة؛ هل يمكن الحديث عن إمكانية للتجاوز في إطار نموذج تنموي جديد يقوم على تسويات سياسية واجتماعية واقتصادية، تجعل السيطرة تنتفي على المستوى السياسي والاجتماعي، في أفق تشكيل جبهة تستطيع القضاء على أساليب سائدة للتصرف، وبالتالي مجتمع يستطيع الوقوف في وجه النزعات التسلطية للفعل الاداري؟

1

 




شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا