أضيف في 31 مارس 2020 الساعة 01:58

من طواعن زمن المغرب التي أبادت وكادت أن تفضي الى الفناء..


عبد السلام انويكًة باحث في تاريخ المغرب

أصوات نيوز //

اعبد السلام انويكًة باحث في تاريخ المغرب

         حول زمن أزمات المغرب الاجتماعية ذات المنحى الطبيعي والبشري تحديداً في تاريخ البلاد، يمكن القول أن ما هو كائن من أبحاث ودراسات أكاديمية لا يزال بقدر كبير من الندرة. ولعل مما تحتويه وتحفظه الخزانة التاريخية المغربية والمغاربية والعربية عموماً من ذخيرة في هذا الاطار، وما يتوزع حول هذا الشأن من بادرة وكشف وتنقيب وتراكم الى جانب اسهامات كل من الحسين بولقطيب رحمه الله عن مغرب العصر الوسيط ومحمد تريكي عن زمنه الحديث وبوجمعة رويان حول الفترة المعاصرة، نجد عملاً علمياً رفيعاً لمحمد الأمين البزاز رحمه الله، حول أوبئة ومجاعات مغرب القرن الثامن عشر والتاسع عشر.
    إسهام أكاديمي أورد عنه الاستاذ المؤرخ جرمان عياش رحمه الله وهو من اشرف عليه وتتبع فصوله، أنه حصيلة جهد كبير في خضم ما توجد عليه المادة العلمية من ثغرات وندرة وتشتت ليس من السهل جمعها وتنسيقها، فضلاً عن شح مصادر كثيراً ما تقتصر على اشارات تذكر أن هذا مات هناك بسبب الطاعون وأن أولائك دفنوا هناك خلال شهر كذا وسنة كذا. مشيراً الى أن ما يتير الدهشة هو استمرارية الشعب المغربي رغم ما حصل من ضربات لكوارث طبيعية متكررة قاسية، وانه رغم ضعفه منذ عهد الموحدين خلال القرن الثاني عشر الميلادي ظل على تنظيم وتلاحم. ما ظهر جلياً خاصة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، من خلال ما كانت عليه الدولة على تواضع اجراءاتها من دور في التخفيف من وقع نزيف جوائح البلاد.
    ويذكر محمد الأمين البزاز حول جوائح وأوبئة مغرب القرن الثامن عشر والتاسع عشر، أن الاخباريين المغاربة ومن خلالهم المصادر التاريخية كانوا أكثر اهتماماً بما هو وقائعي سياسي، مع عنايتهم وتركيزهم على مراكز البلاد وليس على هوامشها وبفترات ازدهار وليس بتلك التي كان المغرب فيها يعيش أزمات، باستثناء نتف اشارات هنا وهناك ارتبطت بأزمات اجتماعية مروا عليها مر الكرام. ما يجعل منها قضايا مجتمع حقيقية جديرة ببحث ودراسة والتفات من قبل باحثين ومؤرخين، علماً أن الأوبئة ومعها المجاعات وغيرها من الآفات الاجتماعية هي ظواهر ملأت سجل تاريخ البلاد، مشكلة محطات بارزة بالنظر لِما ترتب عنها من خراب بليغ ونزيف بشري كان أحياناً على درجة عالية من الأثر والتأثير والقساوة بدليل ما ورد حولها في مصادر تاريخية مغربية لمعاصرين.


    وحول ما كان عليه المغرب من طاعون ومجاعة وحروب أهلية لحوالي المائة سنة بين عشرينات القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، من جملة ما أورده محمد الأمين البزاز حول أوبئة هذه الفترة من زمن البلاد نجد طاعون 1742 -1744، الذي ضرب البلاد انطلاقاً من مدن متوسطية. مشيراً اعتماداً على ما هناك من رواية تاريخية الى أن تسرب الوباء كان بسبب قدوم قافلة تجارية للحرير، قدمت من الشرق فجلبت معها العدوى الى فاس، ما تأكد من اشارات "نشر المثاني" للقادري الذي ذكر أن تازة كانت منطلقاً للوباء بعدما وصلها من جهة الشرق:" فلما نال العبيد ما نالهم من نهب أولاد حماد رجعوا مسرعين فوجدوا الطاعون قد فشا في مكناس وفاس، فنزل العبيد خارج مشرع الرمل ولم يدخلوا لديارهم وكان قبل هذا بنحو عامين ظهر بتازا."
    وكانت التجارة والتجار خلال هذه الفترة من أسباب ما حصل من تسرب لوباء الطاعون الى المغرب، بل يضيف  رحمه الله أن ما كان يطبع البلاد من حرب أهلية وصراع على العرش، هو ما جعل الجند يعملون على توسيع انتشاره مع تنقلاتهم وبعد عودتهم من معاركهم، فكان ما كان من نزيف بشري بمدن البلاد من فاس ومكناس والرباط وسلا وزرهون وتطوان. ويذكر الضعيف في هذا الاطار:" عم الوباء جميع المغرب وغلت الأسعار وضاعت من الخلائق ما لا يحصى عددها حتى قيل مات من أهل القصر أربعة عشر ألف بالطاعون وهربت منه أهل الريف." مع أهمية الاشارة لما ورد عند الاخباريين من اشارات حول ما سجل من تراجع وانحصار للوباء خلال فصل الصيف من شدة الحرارة كما حصل عام 1742، وهو ما تبين أكثر وتأكد خلال سنوات وبائية لاحقة.
    ومن طواعن زمن مولاى سليمان وخلفه مولاي عبد الرحمن، تلك التي كانت بأثر كبير اجتماعي وسياسي واقتصادي. هناك طاعون 1798- 1800 الذي عمر تقريباً لمدة ثلاث سنوات وكان قد جاء بعد حوالي نصف قرن عن سابق له، ويعتقد أنه تسرب الى المغرب من الجزائر عام 1799 كان عبر الطريق البري التجاري (وجدة- تازة- فاس..)عندما كان متفشياً في تلمسان 1798. ويذكر الضعيف في هذا الاطار أيضاً:" وفي 10 رمضان خرج مولاي الطيب من فاس الجديد بعد أن جاء من مكناس عاملاً على تادلا والشاوية (فبراير 1799)..وكان الوباء بفاس وقصبة اشراكة وفي اولاد جامع وكثر الموت في الناس. وكان مولاي الطيب قبل خروجه من فاس بيوم زار مولاي ادريس وفرق على الضعفاء مالاً يوم الجمعة 9 رمضان، ولما أراد الخروج من فاس الجديد.. قبل طلوع الشمس، فلما وصل قبة السمن وجد جنازة خارجة على الباب الجديد.. فوقف حتى تخرج الجنازة فالتفت وراءه فوجد جنازة أخرى فتطير من ذلك وتغير لونه واشتد الطاعون في الناس." ومن الروايات من تحدثت على أن هذا الوباء ظهر بفاس منذ نهاية 1798، لينتشر تدريجياً في فبراير من السنة اللاحقة ليبلغ دروته شهر مارس من السنة نفسها.
     ومن جملة ما يسجل الى جانب ضعف ومحدودية تدابير الوقاية، ما حصل بالتوازي من قحط وجفاف ثم من جراد عم كل البلاد حتى أنه بلغ طنجة. مع أهمية الاشارة الى أن طاعون 1799 تفشى وانتشر في فاس والنواحي أولاً قبل انتقاله الى غرب البلاد حيث الشاوية ودكالة وعبدة والحوز في بداية الصيف، ليتوغل في بلاد سوس خلال شهر غشت وشتنبر من السنة نفسها وليضرب تطوان وطنجة خلال خريف نفس الفترة بحيث لم ينقطع أثره سوى عام 1800. وكان هذا الوباء الذي ضرب البلاد قد خلف نزيفاً ديمغرافياً ترتب عنه خلاء كثير من مدن المغرب بحسب الرواية الأجنبية، بل من الاشارات التاريخية من تحدثت عن هروب الناس الى البوادي لدرجة أنه لم يكن يوجد من يتولى تجهيز الموتى. ومن الاشارات الاخبارية أيضاً ما أفاد أن الناس كانوا يلقون بالجثث في حفر كثيرة، ومن الرواية الأجنبية من توقفت على ما أصاب الناس من يأس لدرجة شراء أكفانهم لتلف بها جثثهم حينما يأتي دورهم.، بل من الناس من عمد الى افراغ مطاميرهم وتوزيع ما بها على الفقراء وتهيئتها لتكون قبوراً لهم.
   وتذكر الرواية المغربية وباء هذه الفترة من تاريخ المغرب 1799 وتنعته لا بالأسود ولا بالأبيض بل ب"الطاعون الكبير"، لكونه عم بوادي البلاد وأمصارها وخلت بسببه خيام وديار. بل من الاشارات من أوردت أن الموت كان رهيباً فضيعاً ودريعاً كاد من شدته أن يفضي الى الفناء، ومنها من أوردت حوله أنه :" أخلى العباد من البلاد". وحول ما أحدثه طاعون هذه الفترة من نزيف قيل أنه كان يموت في تطوان كل يوم حوالي مائة وثلاثين فرداً، وفي فاس كان الناس يدفنون حوالي ألف ضحية كل يوم. وحول درجة فتك الوباء بعباد غرب البلاد أورد الضعيف:" وقصد السلطان (مولاي سليمان) دكالة فوجد عاملها قد مات ومات ولده وأخوه بخدمه وعياله ونساءه وبقيت داره خالية." ليبقى ختاما بحسب الرواية المغربية والأجنبية معاً، أن الوباء هذا الطاعون الرهيب الذي نعت ب"الكبير" قد يكون أباد ثلث أو نصف سكان المغرب.




شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا