أضيف في 19 دجنبر 2019 الساعة 00:15

الدين لله والوطن للجميع


ذ. محمد علي العموري

أصوات نيوز //

عبارة ينسبها الحداثيون للعلمانيين العرب الذين اجتهدوا في فهم معنى الوطنية بعيدا عن الطائفية والمذهبية والعقائدية ذات النطاق الضيق الذي يحصر مفهوم المواطن في ما يعتنقه وينتسب إليه من ديانة أو مذهب أو طائفة.
الدين لله معناه أن علاقة المؤمن بربه تبقى علاقة جد خاصة ولا ينبغي أن تنعكس على علاقة الأفراد ببعضهم البعض داخل مجتمع قد يضم خليطا من الأجناس والتوجهات والإيديولوجية والإنتماءات الطائفية وغيرها ، لكنه ( أي المجتمع ) يحتكم في تنظيم أحوال معاش أفراده في علاقاتهم وتعاملاتهم مع بعضهم البعض إلى القانون المتفق بشأنه ، الذي يكون قواعد ملزمة للجميع على قدم المساواة.
الوطن للجميع معناه أن هذه الرقعة الجغرافية التي تحكم حدود الدولة تسع كل من ينتسب إليها بأصل أو بالتحاق ، فيكون الوطن هو الحاضنة التي تذوب من أجلها الإختلافات وتنصهر التباينات من أجل وحدة الأمة التي تجمع ما بين الشعب وأرضه وتاريخه وثقافته وآماله وتطلعاته ونجاحاته وإخفاقاته...الخ
الأمة المغربية لها من العراقة ما يجعلها تحتوي كل تلك التباينات وتحولها باتجاه الوحدة التي يضمن تماسكها واستمراريتها نظام سياسي ذو شرعية ومشروعية.
وحتى لما تنتفض بعض وحدات الشعب ويصبح الوطن حسيرا في أعين البعض ، وتضيق الجغرافيا بذويها ويتبدى لهم الخلاص في معانقة روح الهجرة بعيدا عنه ، فإن الأمة في بعدها الروحي والثقافي تنحو باتجاه الترنح في كل مرة يبدو لها الوطن وقد أصبح غريبا عنها وأصبحت الطبقة السياسية مكتفية بمصالحها بعيدا عن هموم عامة الشعب.
وما يجعل النظام السياسي الساهر على استثباب السلم الإجتماعي يتدخل لمعالجة الوضع ، هو حدسه الوثيق الذي يجس به نبض الشارع عبر قنوات المشورة وتقارير التشخيص المرفوعة إليه التي تضع اليد على مكامن الخصاص والهشاشة.
في هذا الإتجاه ، كانت المؤسسة الملكية قادرة على استشراف المستقبل واستباق صرخة الشعب والمبادرة لوضع تصور قمين بجعل حالة التنفيس ممكنة.
حدث هذا عند تكليف الملك محمد السادس للجنة مراجعة مدونة الأحوال الشخصية قبل خروجها على شكل مدونة للأسرة ، تلك التي تنتصر لقيم التماسك الأسري وضمان الحقوق في إطار الحياة الزوجية وما يترتب عليها من تبعات تهم حقوق الزوجة والأولاد بعيدا عن منطق من المستفيد أكثر !
وحدث ثانية عام 2011 عندما دعا الملك إلى مراجعة مقتضيات الدستور المغربي فكلف لجنة تضم مختلف ألوان الطيف السياسي والحقوقي والمدني لإجراء تعديلات عليه تهم تطلعات الشعب وذلك عقب خروج حركة عشرين فبراير إلى الشارع بعد انفجار الوضع في بعض البلاد العربية.
وحدث أخيرا بعد إعلان جلالته فشل النموذج التنموي الذي استنفذ صلاحيته بعد مرور زهاء خمسة عشر سنة لم تنعكس فيها منافعه على الفئات الأكثر هشاشة وتهميشا ، مما جعله يكلف السيد شكيب بنموسى بتشكيل لجنة متعددة الإختصاصات تضم كفاءات علمية وتقنية وجمعوية وفكرية لمباشرة الإشتغال على وضع تصور استراتيجي شامل لما ينبغي أن يكون عليه النموذج التنموي الجديد.
تشكلت اللجنة في ظرف قياسي وعرضت أسماء أعضائها على أنظار جلالته فكان التعيين وإضفاء الطابع الرسمي عليها.
لن نناقش هنا " بروفايل " كل عضو من أعضائها على حدة لتعداد مسار تكوينه ومجال اشتغاله وخبرته ، فكل شخصية لها وزنها داخل الوطن وخارجه ومشهود لها بالكفاءة والتجرد وليست تنتمي لأي حزب سياسي ، وما يميز كل عضو فيها أنه سيكون بين زملائه بمثابة العضو الشغال داخل "خلية النحل" بعيدا عن تجاذبات السياسي وتهافتات الإنتهازي ، وتقاطبات الحزبي.
اللجنة المشكلة لها أجندتها الواضحة بمدة زمنية محددة ستنتهي وتنحل من تلقاء نفسها مباشرة بعد أداء مهمتها بأمانة ، وسيعمل أعضاؤها بشكل تطوعي بعيدا عن خلفية المنفعة المحصل عليها كما يحدث عادة داخل بعض اللجن الحكومية التي  تذر على أعضائها لبنا غزيرا من التعويضات.
ولعل هذا التجرد الذي يستشف من طبيعة التشكيلة وكأنها تبدو مثل " حكومة تكنوقراطية " هو ما أزعج البعض ومنهم رئيس الحكومة الأسبق السيد بنكيران.
فهذا الأخير صرح مؤخرا على أن اللجنة تضم من بين أعضائها عناصر تشكك في الدين الإسلامي كذا !
نعود من جديد لنذكر بما بدأنا به المقال عن مفهوم المواطنة الذي يلغي الحسابات الضيقة ذات التوجه الإيديولوجي بلون معين ، وأن مصلحة الوطن تسبق مصلحة الأشخاص والأحزاب ، وأن نزاهة ذوي الخبرة المطلوب منهم الإجتهاد فيما ينفع البلاد والعباد لا علاقة لها بهويتهم الإيديولوجية والعقائدية ، لأنه ليس مطلوبا حتى نتخذ فلانا عضوا في لجنة ما أن يكون إسلاموي الهوى أو يساري المنزع أو قومجي الإنتماء العروبي ...كي نؤشر على نزاهته  ، بل ما يراكمه من خبرات ، وما يتحصل عليه من شواهد ، وما يشهد له في ميدان اشتغاله من مهنية وعطاء وتضحيات هي المؤشرات الدالة على مقدرته كي يكون في هذه المهمة أو تلك.
ولهذا فاعتراض بنكيران على بعض أعضاء اللجنة المكلفة بوضع تصور جديد للنموذج التنموي المقبل يفتقد إلى الموضوعية وينزع منزعا عقائديا ضيقا في إصدار حكم القيمة الذي وسم به بعض أعضاء اللجنة بكونهم من المشككين في الدين !
فهل شق صدر بعضهم واطلع على مكنون سريرتهم حتى ينطق بذلك الحكم الواهي ؟!
إن التشكيك في عقائد الناس مخالف لما يدعو إليه الدين نفسه ، كما أن تأليب الرأي العام بهكذا تصريحات لا يخدم مصلحة الوطن ، ويدخل في متاهة الحرد السياسي الذي ينقلب على صاحبه خاصة وأن الثقة الملكية قد تم منحها لكل أعضاء اللجنة بعيدا عن كل انتماء أو توجه إلا الإنتماء للوطن وخدمة المصلحة الوطنية ، هما المرجع والمبتغى اللذان يحركان عمل اللجنة بعيدا عن اختلاف المرجعيات وتباين القناعات والتوجهات.

بقلم : محمد علي لعموري




شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا