أضيف في 21 نونبر 2020 الساعة 16:17

من مشترك الشعبين المغربي والجزائري.. ومن الذاكرة والتاريخ..


عبد السلام انويكًة

  حول ما هو رمزي بيني تاريخي مشترك بين المغرب والجزائر ومن ذاكرة بلدين شقيقين،- ما لا يزال بحاجة لجهد باحثين مؤرخين وفق ما ينبغي من هدوء ومقاربة وتحليل وتنوير شافٍ، اللهم ما هناك حول الموضوع من اشارات ضمنية في دراسات وأبحاث توجهت بعنايتها لقضايا وتطورات الحركة الوطنية وسنوات الكفاح من أجل الاستقلال-، ارتأينا ما حصل من لجوء وهجرة وتعاون وتضامن بين البلدين الجارين زمن الاستعمار.  

 وغير خاف منذ تعرض الجارة الجزائر للاحتلال الفرنسي بداية ثلاثينات القرن التاسع عشر، كون المغرب شَكَّل عمقاً استراتيجياً وقاعدة خلفية ووجهة لجوء جزائري خاصة على مستوى غرب البلاد بحكم طبيعة قرب وتماس ترابي ووضع جمعي ثقافي.

بل كان المغرب بمواقف مشرفة عدة تذكرها أبحاث علمية تاريخية ضمنها جزائرية جامعية، لعل منها ما أقدم عليه من اجراء نبيل لمَّا فتح أبوابه أمام آلاف اللاجئين الجزائريين، الذين بقدر ما يعد لجوؤهم موضوعاً متشعباً بقدر ما هو بحاجة لمعرفة عن حقول عدة فضلاً عن أرشيف ووثائق تاريخية ومذكرات.

  وغير خافِ أيضاً أن اختيار أهل تلمسان بعد احتلال الجزائر، كان قد وقع على الشيخ محي الدين الذي اعتذر لهم مشيراً عليهم بولده عبد القادر الذي كانت أول بادرة له دعوته خطباء الجمعة لذكر اسم سلطان المغرب عبد الرحمن بن هشام على المنابر، معبراً بخطوته هذه عن مشاطرته رغبة أهل تلمسان التي طالما أعربوا عنها، شافعاً اياها بإرسال بيعة له أثارت غضب فرنسا التي بعثت سفيرها "دو مورناي" الى المغرب، حيث تم استقباله في مارس 1932 بمدينة مكناس التي كانت تحتضن في الوقت نفسه وفداً عن تلمسان.    

وكان ما مارسته السلطات الفرنسية من تشريد وقتل وإبادة وقبضة على ممتلكات الأهالي منذ احتلالها للجزائر، بدور كبير في لجوء واسع جزائري صوب المغرب خاصة من جهة الغرب حيث تلمسان ومعسكر ومستغانم والبليدة ووهران.

والى جانب مدينة وجدة على الحدود حيث تمَركَز هؤلاء خلال هذه الفترة ثم تطوان لِما كان قائماً من اتصال وروابط قديمة، نجد عاصمة المغرب فاس آنذاك والتي استقبلت لجوءً على دفعتين.

الأولى منهما تأسست على مبررات وامتدت طيلة العقد الأول من الاحتلال الفرنسي للجزائر، حيث أحيط من لجأ من الجزائريين الذين قدر عددهم بحوالي خمسة آلاف بعناية معبرة من قِبل المجتمع والسلطة المغربيين معاً.

أما الدفعة الثانية من اللجوء والتي أطرتها فتاوي فقهاء مغاربة سمحت بها، فقد امتدت الى غاية وقعة اسلي مع أهمية الاشارة لِما حصل من إقبال واسع إثر ما تعرض له الأمير عبد القادر من هزائم وتضييق فرنسي، والذي لمَّا دخل المغرب من أجل تجميع قوته وتقوية مقاومته اختار عدد من أتباعه الاستقرار به بتوجههم الى فاس ومنهم عمه أبي طالب المختار.

ومن علماء الغرب الجزائري الذين اختاروا فاس وجهة لهم خلال هذه الفترة وعاشوا به، هناك الفقيه محمد بن الخضير وأحمد ابن الهاشمي المراحي الذي كان قاضي قضاة ورئيس مجلس الأمير عبد القادر الخاص، فضلاً عن ابن يخلف الشيباني ومحمد بن عبد الله المجاوي الحسني والشيخ المشرفي وغيرهم.  

    وبقدر ما اعتبر علماء الجزائر اللاجئين الى المغرب خلال هذه الفترة الحرجة أن هذا الأخير هو بمثابة وطن ثان لهم، بقدر ما ثمن الأمير عبد القادر ما أفتاه علماء المغرب حول أحقية هجرة الجزائريين صوبه بعدما تعرض له من تراجع.

وقد أورد أبو حامد المشرفي في هذا الاطار: "ولاية أهل النبوة أمان لهذه الأمة من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وهذا هو أحد الأسباب التي جاءت بنا للمغرب معشر المهاجرين واخترنا الهجرة اليه دون الهجرة الى تونس وما وراءها من الأمصار التي يحكم فيها سواهم، وقال عليه الصلاة والسلام ولاية أهل بيتي أمان لأمتي".    

وحول من لجأ الى فاس بعد استسلام الأمير عبد القادر، ورد أن سلطان المغرب أكرم وفادة من فارقه من علماء وأشراف وأنزلهم من كرامته منزلتهم ونصبهم في صف العلماء وأنجز لهم جرايتهم. بل لحجم من قصد فاس من اللاجئين الجزائريين وبأوامر سلطانية تم ادماجهم في مجتمع فاس، من خلال فتح مجال العمل لهم بحسب خبرتهم، حيث عُين على سبيل الذكر أبي محمد العربي المشرفي في التدريس ومحمد المشرفي في القضاء والافتاء.

وقد يكون محمد العربي المشرفي توفي بفاس 1895، أما محمد بن مصطفى المشرفي صاحب مؤلف"الحلل البهية" الذي ولد بمنطقة معسكر 1839، فقد انتقل الى فاس رفقة والده 1844 حيث تلقى تعليمه والتحق بالقرويين التي أخذ فيها عن علماءها وشيوخها قبل تعيينه قاضياً ببلاد "الحياينة" جوار فاس حتى وفاته 1911.

    ولعل مما طبع حياة وتفاعل اللاجئين الجزائريين بفاس الى جانب اندماجهم وما كانوا عليه من تماسك، توفرهم على ممثل سُمح لهم به كان يقوم بدور وساطة بينهم وبين المخزن، ما عُرف ب"النقيب" الذي كان يتم انتخابه من خلال عقد جمع بجامع سيدي بومدين الكائن بدرب سيدي بومدين بحي الرميلة بفاس. وبقدر ما كان اللاجئون الجزائريون المقيمون بفاس يتوزعون على أنحاء المدينة مثل رأس الجنان والعيون والقلقليين..، بقدر ما كانوا عليه من تميز لدرجة أنهم شكلوا طائفة خاصة من طريقة التهاميين بفاس مع مقدم خاص بهم. وحول اندماجهم داخل مجتمع فاس من المفيد الاشارة لِما أسسوه من أنشطة تجارية مزدهرة، وما انخرطوا فيه من عمل إداري مخزني مثلما حصل لأسرة المقري.

ومما يعكس ما كان عليه هؤلاء من حضور قوي واتساع مجال إقامة بفاس، تجمعهم في حومات خاصة(أحياء)، منها من كان يحمل إسم موطنهم الأصلي بالجزائر كما بالنسبة لحومة "البليدة"، تلك التي دفن فيها الشيخ العارف والولي الصالح سيدي أحمد التيجاني.

 وعلاقة بفاس وباللاجئين الجزائريين بها أواسط القرن الماضي، يُذكر أنه بعد تأسيس حزب الاستقلال بالمدينة انضمت اليه غالبية هؤلاء على أساس رهان البلدين المغرب والجزائر ومشتركهما في مواجهة الاستعمار، عبر ما يجب من عمل وطني وتعاون وتنسيق بين الأحزاب في وقت حصل فيه تواصل بين حزب الشعب الجزائري وحزب الدستور التونسي وحزب الاستقلال المغربي من أجل جبهة موحدة بشمال افريقيا.

وهو ما انتهى الى دعم المغرب للجزائر بعد حصوله على الاستقلال من خلال انخراطه في حربها التحريرية، فضلاً عما كان عليه من اصرار رسمي لإنهاء احتلال الجزائر من قِبل الفرنسيين، بحيث قرر السلطان محمد بن يوسف أن يكون في قلب معركة تحريرها رغم شدة ما كان من تحديات وضغوط فرنسية.    

وكان أول لقاء جمع بين سلطان المغرب وجبهة التحرير الجزائرية قد تم في أبريل 1956، حيث أكد المغرب على فتح حدوده لتمكين الاخوة الجزائريين مما كانوا بحاجة له من سلاح ورجال، كذا السماح لهم باستخدام مناطق الحدود كقواعد خلفية لتفعيل جيش التحرير وتقديم كل التسهيلات من أجل مرور المؤونة والعتاد لفائدتهم، مع مؤازرة كل اللاجئين الجزائريين الى المغرب بحضنهم والتكفل بمختلف شؤونهم. بل كان المغرب بدور في دعم تحرير الجزائر دبلوماسيا وتدويل قضيتها الوطنية، ناهيك عما كانت عليه حدوده الشرقية كقاعدة خلفية لتمرير حاجيات الثورة الجزائرية من أسلحة وإقامة لمراكز تجمع وتدريب وإعداد.  

بعض فقط من إرث رمزي تاريخي يملأ ذاكرة بلدين جارين فضلاً عن زمن وماض وتاريخ وقضية وانسان ومكان ومشترك..، ما ينبغي أن يحضر في راهن شعبين شقيقين ويؤطر كل طموح وتطلع ونماء وبناء، كذا مستقبل مؤسَّس على ما هو نبيل جامع موحد في ذاكرة بلدين مستلهماً روحه من ملاحم تآزر وتضامن، مثلما حصل من دعم بيني خلال فترات صعبة زمن الاستعمار من أجل ما كان منشوداً لدى أجداد من تحرر وانعتاق واستقلال، ومثلما حصل من حضن لآلاف الجزائريين ممن اختاروا المغرب قبلة في زمن شدة وحاجة معتبرين إياه وطناً ثانياً لهم، فكان ما كان من تكفل وتضامن وتعايش وكان ما كان من واجب بلادٍ وعِباد.

    مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث




شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا